ميرا ناصر
07-21-2007, 04:40 PM
المهرّج مسرحية في ثلاثة فصول
محمد الماغوط
****************
الفصل الأول
صباحٌ شتائيٌّ بارد مبكّر في حي شعبي قديم. يتناهى من بعيد صياحُ ديكة وصريرُ عجلات تقترب مع قرع طبل وصناجات رقص وكل الضجة التي تسبق فرقة مسرحية متجولة تضمُّ شرذمة من أدعياء الفن، سدّت في وجوههم أبواب الحياة فقرعوا باب الفن حتى "خلعوه" وهم في سبيل جمع المال لا يتورعون عن تشويه أرقى النصوص المسرحية ومسخ أبرز الشخصيات التاريخية وكل ما من شأنه تملّق الجمهور وتلبية رغباته الأنيقة المرتجلة. ويدير الفرقة قارعُ طبل نصف أمّي يُستخدم في تقديم البرامج ميكروفوناً يتدلى منه شريط كهربائي مقطوع كتأكيد غير مباشر على عدم ارتباط الفرقة بأية غاية سوى إضحاك الجمهور، أما أسلوبه فهو أشبه بأسلوب المذيع المحترف وهو ينقل مباراة رياضية أو حفلاً خطابياً من خارج الاستديو. منذ أن تُسمع ضجة الفرقة تنفتحُ الأبواب ويتوافد سكان الحب وهم بين النوم واليقظة فهذا بثياب النوم وذاك يجفف وجهه بمنشفة وآخر لم يُنْهِ ارتشاف الشاي على المائدة وتظهر البهجة على الوجوه عندما تظهر العربة الملونة بما تكدّس عليها من ثياب التمثيل وكراسي الزبائن وكأنها شجرةُ ميلاد متحركة، وعلى متنها راحت الممثلة الأولى والوحيدة في الغرفة ترقص وتتمايل.
قارع الطبل: أيها الزبائن الكرام.. أيها الجمهورُ الكريم
زبون: السلام عليكم.
قارع الطبل: وعليكم السلام (مستأنفاً خطابه) لقد كان المسرح..
زبون: صباح الخير.
قارع الطبل: صباح النور.. أهلاً وسهلاً (مستأنفاً) لقد ظلّ المسرح (يقاطعه مدرّس لغة عربية عجوزٌ نكد الخلقة والوجه وفدَ لتوّه ليجلس في المقهى المجاور لمكان التمثيل ومعه رزمة من الدفاتر).
المدرس: فنٌّ منذ الصباح الباكر؟
قارع الطبل: وماذا تريد منذ الصباح الباكر فولٌ بالزيت؟ حمص بالبصل؟
الممثل الأول: جاهل!
قارع الطبل: متخلّف (مستأنفاً خطابه للزبائن وقد أخذ عددهم يزداد) لقد ظل المسرحُ لسنواتٍ طويلة عجاف على هامش الحياة.. على هامش الشعب.. إلى أن قُدّر.
صاحب المقهى: إنكم تسدّون باب المقهى.
قارع الطبل: بل نرفعُ من مستواه.
صاحب المقهى: سأرفع عليكم دعوى .. بمجرد أن تفتح المحكمة.
الممثل الأول: جاهل!
قارع الطبل: متخلف (مستأنفاً خطابه) إلى أن قُدِّرَ لنفَرٍ من الشباب المتمرّس بالفن، المخلص لقضيته ومبادئه أن يعيدَ للمسرح (مرحباً بزبون جديد) أهلاً وسهلاً.. كرسيّ للأخ كرسي للأستاذ.
الممثل الثاني: حاضر (يقدم له كرسياً من العربة، وهو عمله الدائم قبل بدء التمثيل).
قارع الطبل: أن يعيدَ للمسرح مكانته ويردَّ له اعتباره من أجل الشعب ومصالح الشعب.
الممثل الأول: إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
الممثل الثاني: ولا بدَّ لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر (تصفيق)
صاحب المقهى: اذهبوا إلى مكان آخر (يبعد كراسي الفرقة) اذهبوا إلى ساحة ثانية.
قارع الطبل: دعْ هذه الكراسي مكانها.
الممثل 1 : إنها كراسي الشعب.
الممثل 2 : نشرِّفُكَ إذ نمثِّلُ الروائع أمام مقهاك التَّعسِ هذا.
صاحب المقهى: اذهبوا قبل أن تثور ثائرتي.
الزبائن: دعونا نسمع. لا نرى شيئاً . دعونا نفهم.
قارع الطبل: نحن هنا بإرادة الشعب ولن نخرج إلا .
صاحب المقهى: (يخلع حذاءه مهدداً) ستخرج بهذا الحذاء.
الممثل الثاني: حذارِ إنه مدير الفرقة.
صاحب المقهى: (ساخراً) كان حمالاً يحمل الصناديق وغيرها.
قارع الطبل: أما الآن فأنا حاملُ مسؤولية.
الممثل الأول: حاملُ حضارة.
زبون: دعهم، من تظن نفسك؟
زبون: إنهم فنانون.
صاحب المقهى: بل دجالون كلما استخدمتُ أحداً لمساعدتي في المقهى لعبوا برأسه وأخذوه ممثلاً. هذا كان في الوِجاق، وذاك يقدِّمُ النراجيل وهذا.
الممثل الثاني: نحن أحرار.
الممثل 1 : كنا ضالين ووجدنا طريقنا.
صاحب المقهى: هنيئاً لكم بهذا الطنبر (يدخل إلى مقهاه).
الممثل 1 : جاهل.
قارع الطبل: متخلف (مستأنفاً الخطاب) وأهمية هذه الظاهرة أن القائمون عليها.
المدرس: (محتجاً) إن القائمين.. القائمين عليها.. وليس القائمون.
قارع الطبل: (منصاعاً تحاشياً لاصطدام جديد) إن القائمين عليها رفضوا بهرجَ الدنيا وزخرف الحياة وتعلقوا بأهداب الفن.
قارع الطبل: لم تكن ساعة خير بالتأكيد.
زبون: اسكت.
قارع الطبل: اخرس (مستأنفاً ) فليس عندهم ستائر وتذاكر وشباك تذاكر. ليس عندهم إلا الشعب والإيمان بالشعب.
زبون: "مصفقاً" واحد قهوة.
قارع الطبل: واحد قهوة للأستاذ (مستأنفاً) وبدلاً من أن يذهب الشعبُ إلى المسرح جعلوا المسرح يذهب إلى الشعب (تصفيق) فنحن..
الممثل 1 : فنحن لم نشيّدْ مسرحاً؟ مكان ثابت. لأن هذا المكان أو هذه الأرض قد تُستغلُّ في زراعة حقل أو إقامة مصنع.. (تصفيق) كما أننا
الممثل 2 : كما أننا لم نستخدم الستائر لأن هذه الستائر قد يُستفادُ منها في تضميد الجراحِ وستر العراة وتكفين الشهداء.
قارع الطبل: فإلى جيوبكم أيها الإخوان المواطنون وتمتَّعوا معنا بالقول الجميل والفن الأصيل الذي يخدم الشعب.
الممثل 1 : وأهداف الشعب.
الممثل 2: عاش الشعب (تصفيق).
قارع الطبل: لأننا كفنانين نعرف ماذا يريد فعلاً هذا الشعب (تصفيق)
زبون : (مصفقاً لغاية أخرى) أركيله .
زبون: طاولة زهر.
قارع الطبل: (مزدرداً لعابه) يريد ثقافةً حية ومسرحيات تعالج همومه ومشكلاته (تصفيق وورود زبائن جدد) أهلاً وسهلاً.. كراسي للأخوان. بسرعة بسرعة (مستأنفاً) ويسرُّنا بهذه المناسبة أن نبدأ برنامجنا لهذا اليوم بواحد من أعظم كُتَّابِ المسرح في العالم. ألا وهو شكسبير وبمسرحيةٍ هي من أعظم المسرحيات في العالم ألا وهي مسرحيةُ عطيل (تصفيق) وسوف تشاهدون هذه المسرحية بحلّةٍ جديدة مشعة وأسلوب لم يُطرقْ من قبل أبداً كل ذلك بفضل نخبةٍ من الشباب المتمرّد الطليعي الثائر (الممثلون ينحنون للجمهور).
صاحب المقهى: إنهم قمامة.
قارع الطبل: اخرسْ (مستأنفاً) وسيقومُ بدور عطيل ممثلٌ شابٌ قفز (يقفز من بين أكوام الثياب على العربة الممثل الأول في الغرفة وينحني للجمهور) اسمُهُ بسرعة وأصبح خلال شهور من ألمعِ نجوم المسرح. أما دور ديدمونه فستؤدّيه ممثلةٌ نابغةٌ رضعتْ الفنَّ منذ نعومة أظفارها (تقفز الممثلة الأولى وهي ترضع مصاصة أطفال في فمها وتحيي الجمهور) أما الديكور ورسوم الشخصيات فسوف يقومُ بها جميعاً الفنان العظيم (يقفز الرسام وهو يحمل سطلاً وفرشاة ينحني للجمهور ويبدأ بطَلْي الممثلين) الذي بدأ حياته رساماً كلاسيكياً ثم انتقل من المدرسة الكلاسيكية إلى التعبيرية فالواقعية فالتجريدية وهكذا إلى أن أصبح أعظمَ طرَّاشٍ في البلد يتهافت عليه البناؤون في كل مكان.. أيها الأخوة.. (تصفيق) أيها الأخوة المواطنون.. وبما أننا في عصر السرعة ووقتُنا من ذهب.
زبون: يشخر بصوت مسموع.
زبون: يسحب نفساً مدوياً من نارجيلته.
قارع الطبل: (متجاهلاً هذا الجواب – الصفعة- ) ولأن وقتنا من ذهب فلن نقدم المسرحية بكاملها، بل سنكتفي بفصل واحد منها، وهو الفصل المتعلقُ بالغيرة (الممثلون يصفقون) لأن الغيرة أيها الأخوة من أهم الأخطار التي تواجه أمتنا في الظروف المصيرية الراهنة (الممثلون يصفقون) فإلى مشهد الغيرة الخالد. في مسرحية عطيل الخالدة (الجمهور والممثلون يصفقون بينما ينزوي قارع الطبل ويفسح مجالاً للتمثيل.. صمت ونحنحاتٌ وأصوات نراجيل ثم يُسلّط الضوء على الممثل الأول في دور عطيل وقد أخذ يشد من قامته ويتشنج محاولاً بطريقة مضحكة ومبتذلة تقمّصَ شخصية عطيل كقائد يسير بغطرسة وتوتر وكأنه بلا مفاصل.. وسيطلق عليه من الآن وصاعداً اسم المهرج).
المهرج: أيها الليلُ.. أيها النهار، اشهدوا على حبي لديدمونه.
المدرس: (محتجاً) اشهدوا .. اشهدا .
المهرج: أيها الليل أيها النهار، أيها العصرُ أيها المساء اشهدا على حبي.
المدرس: (محتجاً) اشهدوا.. اشهدوا.
المهرج: (منفعلاً) أيها الليل، أيها النهار، أيها العصر، أيها المساء اشهدا على حبي لديدمونه. ساعدوني على تحمل فراقها وأنا ماضٍ إلى المعركة.. كاسيو كاسيو.
الممثل الأول: (يظهر بشخصية كاسيو) أمر مولاي.
المهرج: ساعدني يا صديقي أنجدني ببعض الشعر.. ببعض الصلوات التي لم تُرتَّل إلا للملائكة لأرتِّلَها على مسامع ديدمونه تلك الزهرة العطرة والحمامةِ الوديعة والفراشةِ التي لم تعرف نابولي.
الممثل الثاني: (هامساً من زاوية ما) البندقية.
المهرج: البنديقةَ مثيلاً لها في الحب والإخلاص والوفاء.
الممثل الأول: إنك تبالغ في ثقتك بها يا مولاي ولا ترى أبعد من أنفك.
المهرج: (يمسك نفه) أنفي؟
الممثل الأول: نعم يا مولاي. فديدمونه ليست مخلصة لك كما تتوهم.
المهرج: ماذا تعني يا عزيزي كاسيو.
الممثل الأول: أعني أنها تحبُّ شخصاً آخر.
المهرج : من؟ أبوها؟
الممثل الأول: لا.
المهرج: أمها؟
الممثل الأول: لا.
المهرج: (بعصبية) أخوها عبدُها كلبُها من تحبُّ إذن؟
الممثل الأول: شخصاً آخر لا يمت إليها بصلة إلا بشفتيه وذراعيه و ..
المهرج: (يصفعه) كاذب. كاذب. الرعدُ يبرهن على قدوم الشتاء. والليل يبرعن على غياب الشمس فبرهن على خيانتها يا وجه النحس (الجمهور يضحك).
الممثل الأول: (يخرج من عُبِّه منديلاً) هذا هو البرهان.
المهرج: (يخطف المنديل ويشمه ككلاب الأثر) منديلها. منديل ديدمونه. أين وجدَته؟ أين عثرت عليه؟ كلم.
الممثل الأول: مولاي..
المهرج: تكلّمْ وإلا طار رأسك إلى روما.
الممثل الأول: في منزل عشيقها . كانت زوجتي تقوم على خدمة المنزل وتربيته بعد معركةٍ ضارية في السرير على ما يبدو. فعرت عليه.
المهرج: (شاهراً خنجره) ما اسمه؟ ما اسم هذا المرحوم سلفاً؟
الممثل الأول: مولاي. ليس من طبعي إثارة المتاعب للآخرين.
المهرج: تكلم وإلا مددتُ يدي إلى حلقك كالقابلة وانتزعت الاعتراف كاملاً. من هو؟ ما اسمه؟
الممثل الأول: اسأل ديدمونه. فعندها الخبر اليقين (ينزوي جانباً).
المهرج: ديدمونه... ديدمونه.
الممثلة: (تظهر ملبية النداء وهي بثياب عصرية، تعلك لباناً وتؤرجح حقيبتها ـ الجمهور يصفق لها فتبتسم له ثم تنصرف لأداء دورها) هل تناديني يا مولاي؟
المهرج: أين كنتِ حتى الآن؟
الممثلة: (مترددة) كنت..
الزبائن: بالسينما. عند الخياطة.. عند الكوافير.
الممثلة: (للجمهور) وحِمَّى.
المهرج: (للجمهور أيضاً) رجاء يا اخوان (للمثلة) حديث مع الجمهور أين كنت أين؟
الممثلة: في الحديقة. هل تريد شيئاً مني؟
المهرج: (يفتعل العطاس) مصاب بزكام.. اعطني منديلك.
الممثلة: (تبحث في حقيبتها) أين اختفى؟
المهرج: (يعطس) بسرعة.. بسرعة ألا ترين أنفي كالمزراب.
الممثلة: استعمل كلينكس (تقدم له منديل ورق).
المهرج: (يلقيه أرضاً) أريد المنديل.. المنديل المطرز بالورود والرياحين. منديل عرسنا يا ديدمونه.
الممثلة: لا أعرفُ أين اختفى . ربما سقط مني في الحديقة.
المهرج: في الحديقة أم في سرير عشيقك يا خائنة (يصفعها).
الممثلة: عطيل!
المهرج: (يكرر الصفعة) يا عاهرة.
الممثلة: (وهي تتراجع مذعورة أمام أصابعه الممدوده لخنقها) مولاي. ضع عقلك في رأسك.
المهرج: سأضعك في القبر يا عاهرة يا خائنة يا عميلة (ترتمي بين ذراعيه مدَّعيةً الموت فيصفق الجمهور ويصفّرُ طرباً وانسجاماً بينما يدخل الممثل الثاني بلباس جندي محارب ومن الخارج يتناهى وقع حوافر وصهيل جياد وقعقعة سيوف).
الممثل الثاني: مولاي. الأعداء على أبواب البندقية. والجيش بانتظارك.
المهرج: (نائحاً مولولاً) اخرجْ. اغربْ عن وجهي أيها الوغد. لا أريد أن أحارب . لا أريد أن أكافح بعد الآن.. سأهيمُ على وجهي في الفلوات (يتلمس طريقه كالأعمى وهو ينوحُ وسط تصفيق الجمهور وصيحات إعجابه).
قارع الطبل: (مستغلاً حماس الجمهور لهذه الفترة من البرنامج) وهكذا أيها الاخوة رأيتم بأم أعينكم ما تفعله الغيرة في النفوس، وما تلحقه من ضعف وخدر في الهمم والعزائم.
المهرج: (فوق جثة ديدمونه) آه يا حبيبتي.. ويا قرة عيني.
قارع الطبل: فبينما كان عطيل.. هذا البطلُ المغربيُّ الشجاعُ يستعدُّ للذهاب إلى الحرب، والنضال ضد الاستعمار، لم يجد أعداء هذه الأمة سوى هذا الأسلوب الرخيص، أسلوب الغيرة لصرْفِهِ عن واجبه (وهو يشير إلى المهرج الذي حمل الجثة بين يديه وخرج بها مولولاً) انظروا إلى هذا المغربي الشجاع، هذا الفارس الذي كيف انقلب من قائد صنديد لا يهاب الموت إلى إنسان مسحخوق لا يقوى على شيء.
زبون: عاش نضالُ الشعب المغربي البطل.
أصوات: عاش . عاش . عاش .
قارع الطبول: ولكن من المسؤول أيها الأخوة عن هذه
زبون: عاش الشهيد المهدي بن بركة.
أصوات: عاش . عاش . عاش (تصفيق).
قارع الطبول: ولكن من المسؤول عن هذا المصير المؤلم الذي لقيه هذا البطل المغربي الشجاع؟ من دمّر حياته وحرمه من بيته وزوجته وطمأنينته؟
زبون: شكسبير.. شكسبير.
زبون: يسقط الكاتب الاستعماري شكسبير.
أصوات: يسقط . يسقط . يسقط .
قارع الطبل: نعم أيها الإخوة . إنه شكسبير. هو السؤول عن هذه المأساة التي حلَّتْ ببطلنا العربي الخالد عطيل. ولكن. ولكن علينا أن نسأل من يقفُ وراء شكسبير هذا؟ من القوى التي تسانده وتقف وراءه؟
صوت: بريطانيا.. بريطانيا.
أصوات: تسقط بريطانيا.. تسقط.. تسقط.. تسقط.
قارع الطبل: نعم بريطانيا أيها الأخوة.. ولكن علينا أن نسأل أيضاً من يقف وراء بريطانيا؟
أصوات: أميركا.. أميركا.
قارع الطبول: (وسط التصفيق والتهليل) نعم أميركا أيها الأخوة. القواعد الذرية، طائرات الفانتوم.
صوت: يسقط حلف الأطلسي.
أصوات: يسقط . يسقط. يسقط.
قارع الطبل: وهكذا كنتم أيها الاخوة المواطنون مع فصل أليم.. من فصول الاستعمار.. فصل ظهرت فيه..
صوت: هتاف لا علاقة له بالموضوع.
أصوات: يسقط.. يسقط.. يسقط.
قارع الطبل: (مستأنفاً) ظهرت فيه النوايا الاستعمارية في أبشع صورها وأحط أهدافها (تصفيق) ولكن .. ولكن أيها الأخوة.. هل علينا لأن نستسلم أن نيأس ..؟ أبداً أيها الاخوة. لن نستسلم ولن نيأس مادام تاريخنا غنياً بالبطولات والمكارم زاخراً بالقيم والمعاني ويسرُّ فرقة المسرح الجوال المناضلة والمنافحة من أجل أهدافه وأمانيه أن تقدم لجمهورها الواعي المثقف صفحةً حيةً من تاريخنا المجيد.. فعطيل ليس البطل الوحيد في تاريخنا.. فحيثما قلَّبْنا صفحاتِ ذلك التاريخ.. نجد البطولات تزحمُ البطولات، والقائد يزحمُ القائد. فمن أين نبدأ أيها الأخوة؟ من أين ننهلُ.. والله لا أعرف.. أبو عبيدة الجراح.. خالد بن الوليد.
زبون: الحجاج.
قارع الطبل: الحجاج.
زبون: أبو جعفر المنصور.
قارع الطبل: أبو جعفر المنصور، أبو ذر .. أبو تمام.
أصوات: هارون الرشيد.. هارون الرشيد (تصفيق).
قارع الطبل: نعم أيها الأخوة هارون الرشيد، هو خير من يمثِّلُ العدالة العربية والشهامة العربية في أزهى حللها وأجمل مشاعرها.. فإلى العدالة العربية والشهامة العربية أيها الاخوة المواطنون.. إلى (بصوت مرتفع متحمس) هارون الرشيد (ينسحب عن المسرح ليخليه للمهرج وقد ظهر بقناع يمثل هارون الرشيد فيتعالى التصفيق والضحك والصفير. ثم يجلس إلى طاولة عامرة بأصناف الطعام فيبدأ بالتهامها بشراهة تدعو للمزيد من الضحك) إن سعادته كما ترون ينكبُّ على طعامه باهتمام بالغ كما هي عادته كلما كان على وشك النظر في قضايا الشعب قضايا الجياع والمظلومين (ينسحب قارع الطبل نهائياً ويرين الصمت استعداداً للمشهد الجديد).
الممثل الثاني: (بلباس خادم عباسي) مولاي. في الباب اعرابي يطلب المثولَ بين يديك، فهل أقول له لبيك؟
المهرج: (وفمه مملوء بالطعام حتى نهاية هذا المشهد) إليّ به في الحال.
الممثل الثاني: أيها البدوي تعال.
الممثل الثالث: (متقمصاً شخصية أعرابي فقير يدخل ويرتمي عند قدمي المهرج) مولاي. ليس لي إلاك يرأف بحالي. ويرد لي ما ضاع من مالي.
المهرج: قصتك باختصار وبالتفصيل.
الممثل الثاني: فسعادته لا يحب الثرثرة والتطويل (المهرج يومئ برأسه إيماءاتٍ مضحكة).
الممثل الثالث : مولاي. كنت لسنوات خلت ، فتى عربياً غضَّ الإهاب، موفور الصحة لا أدخل من شباك أو باب وعندي..
المهرج: وبعد؟
الممثل الثالث : وعندي مال وجواري، ونوق تسرح في الوهاد والبراري..
المهرج: وبعد ، و بعد؟
الممثل الثالث : أناخ الدهر علي بكلْكَلِه ، فحرمني من مشربه ومأكله، حتى صرت من الضعف والهزال، أمرق والله من ثقوب النخل والغربال.
المهرج: وبعد ، وبعد ، وبعد؟ (الجمهور يضحك).
الممثل الثالث : حطّ بي الزمان عند تاجر كالثعبان.
المهرج: والتتمة؟.
الممثل الثالث : رحل بلا ذمة. بلع أجرتي، وأهان كرامتي، وشردني ما بين الموصل والبصرة لا أملك والله إلا عكازاً وصُرّه.
المهرج: وخلاصة الكلام؟
الممثل الثالث: علي وعلى عائلتي السلام. فعندي تسعة أطفال وزوجة لسانها متران، وهم ينتظرون إشارة من يدك الكريمة ترد حقنا وكفاف يومنا، وإلا صرنا للكلاب وليمة.
المهرج: (متنفساً الصعداء) أعطوه ألف دينار.
الممثل الثالث : شكراً يا مولاي.
المهرج: واقطعوا رأسه لأنه ثرثار (تصفيق).
الممثل الثالث : (فزعاً) مولاي (يظهر السياف ويقبض على المظلوم ويسوقه أمامه وهو يصرخ) الرحمة.. الرحمة (يغيبان ثم تنطلق صرخة مروعة يعقبها تصفيق وصفير وتهليل من الجمهور).
المهرج: (يصفق منتشياً) والآن إلي في الحال براقصةٍ ذات غنج ودلال (تدخل على الفور الممثلة بثياب جارية وترقص أمام المهرج على الأنغام التي يعزفها أحد الممثلين وهو يغني أغنية شعبية غرامية سرعان ما يشارك الجمهور في ترديدها والتصفيق لها طرباً واستحساناً).
قارع الطبل: وهكذا أيها الأخوةُ كنتم مع العدالة العربية والكرم العربيّ في أبهى صورة وأروع شكل مع صورةٍ مشرقةٍ من تاريخنا حيث أخذَ الحقُّ مجراه فوراً دون مناقشاتٍ ومداولاتٍ قد تستمرُّ الشهور والسنوات. رأساً أنصف المظلوم وعُوقبَ الظالم، بأسلوبٍ كله خفة ومجد ومكارم (يختفي الممثلون ويرتفع تصفيق الجمهور).
زبون: واحد شاي.
قارع الطبل: ولكن أيها الاخوة..
زبون: (ينقر على نارجيلته) نارة . نارة .
قارع الطبل: ولكن أيها الاخوة المواطنون. هل استمرَّت الأمور على هذه الحال؟ أبداً أيها الاخوة، فما أن مات هارون الرشيد وتولى الخلافة ابنه الأمين ذو النزعة العربية الصادقة والروح القومية الخالصة، حتى جُنّ جنون الاستعمار الفارسي. وراح يتَّهِمُهُ بالشوفينية ويحرّض عليه الأتباع والقبائل. مستفزاً أخاه المأمون . منتصراً له. لماذا أيها الأخوة؟ لمجرد أن أُمَّهُ فارسية. وسرعان ما دبَّ الخلاف واندلعت الحرب، وسالت الدماء وحلّ الفقر والجوع والخراب. والاستعمار الفارسيّ موغلٌ في تآمره، ناشطٌ في كيده لهذا الشعب ، لهذه الأمة.
زبون: تسقط الرجعة الايرانية.
أصوات: تسقط. تسقط. تسقط.
قارع الطبل: ولكن أيها الاخوة..
زبون: عاش الدكتور.
أصوات: عاش. عاش. عاش.
قارع الطبل: ولكن خاب ظن الاستعمار، فهذه الأمة كلما كَبَتْ نهضت، وكلما تعثَّرتْ استقامت. فما هي إلا سنوات، حتى عاد الاستقرار من جديد يعم الأرض العربية والحضارة العربية بفضل ما تنتجه البطون الحوامل من قادة وفرسان بطولاتهم على كل شفة ولسان. فمن منا لا يفخر بالغافقي، وعقبة وطارق.. انهم..
زبون: وصقر قريش، صقر قريش (تصفيق طويل).
أصوات: صقر قريش.. صقر قريش.
قارع الطبل: نعم أيها الاخوة، وصقر قريش أيضاً واحد من هؤلاء الأبطال. هؤلاء الفرسان الذي أسسوا الدولة العباسية.
المدرس: الأموية.. الأموية.
قارع الطبل: الدولة الأموية في بغداد.
المدرس: في الأندلس ، في الأندلس.
قارع الطبل: في بغداد ، في الأندلس، في كل مكان (تصفيق) وصقر قريش أيها الاخوة، خيرُ ما نختَتِمُ به برامجنا المسرحية لهذا اليوم (تصفيق) حتى نستعيد ثقتنا بأنفسنا ، بماضينا، بمستقبلنا. فإلى البطولة العربية إلى الشجاعة العربية في أروع صورها وأبهى حللها.. إلى صقر قريش (ينزوي جانباً وسط التصفيق والتهليل، ويظهر المهرج منتحلاً شخصية صقر قريش انتحالاً مروعا. الكوفية والعقال فوق البنطلون ويبالغ في التقطيب والتشنج ليؤدي دور القائد الحازم كما يفهم الحزم بحيث يبدو كيوسف وهبي في فيلم كرسي الاعتراف فيضج الجمهور بالصفير والضحك).
المهرج: يا غلام.
الممثل الثاني: أمر مولاي.
زبون: (محتجاً) صقر قريش بالبنطلون؟ يا لها من مهزلة.
قارع الطبل: رجاء يا اخوان.
المهرج: (كاتماً غيظه) يا غلام.
زبون: إنها مهزلة.. وبنطلون شارلستون أيضاً.
المهرج: (متحدياً) بالبنطلون، وبالشورت أيضاً. أنا حر أفعل ما أشاء (يضع قبعة شابو على رأسه فوق العقال فيضحك الجمهور لمنظره) هه. أيعجبك هذا (مستأنفا التمثيل) يا غلام.
الممثل الثاني: نعم . نعم يا مولاي.
زبون: وصقر قريش كان أرمداً؟
المهرج: وهل أنت طبيب؟
زبون: هذا معروف.
المهرج: (يضع نظارات شمسية على عينيه فيتضاعق ضحك الجمهور) تفضل (للمثل الثاني) هل من أحدٌ سأل عنا؟
المدرس: (محتجاً) هل من أحدٍ.. أحدٍ .
المهرج: هل من أحدٍ سأل عنا؟
الممثل الثاني: رسول من شارلمان.
المهرج: من شارلمان؟ ليدخل (يجلس خلف طاولة مكتب ويلفُّ ساقاً على ساق ويتصفح جريدة يتظاهر بأنه يعبّئ مركزه). (يدخل حاملاً رسالة على شكل اسطوانة كبيرة من الورق) السلام عليك يا أمير المؤمنين.
المهرج: (يخطف الرسالة بنزق ويلقي عليها نظرة ثم يصرخ) هدنة شهر؟ يطلب مني هدنة شهر؟ يا للوقاحة (يتمشى متصنعاً الغضب والاهتمام).
رسول شارلمان: إنه يرجوك ويلحفُ بالرجاء يا مولاي.
المهرج: حتى لو قبَّلَ حذائي هذا (يضحك الجمهور عندما يرى حذاءه المثقوب) لن ينال يوماً واحداً.
رسول شارلمان: شهر واحد فقط؟
المهرج: قد أمدِدُ الشهر إلى شهرين والسنة إلى سنتين، ولكنني لن أمدد الهدنة يوماً واحداً. وسأهاجمه كالغضنفر ما بين أيلول وسبتمبر.
زبون: (مندهشاً) ولكنه نفس الشهر.
المهرج: اخرس.
رسول شارلمان: سوف يُصْعَقُ لهذا الجواب.
المهرج: لينفلقْ. ليضرب رأسه بالحائط (متفجعاً ) لأنني لن أنسى أبداً ما فعله بلواعج روحي، عندما حرمني تلك الجارية التي فتنت قلبي وسلبت لبي. الجارية كهرمان .
رسول شارلمان: ولكنه تزوجها وأنجب منها.
المهرج: (باكياً) آه منها. بسببها لا أنام الليل والنهار، كأن في قلبي فلفلٌ وبهار.
المدرس: (محتجاً) فلفلاً . فلفلاً . إنها اسم.
المهرج: اخرس.
رسول شارلمان: ولكنه يجهل ذلك يا مولاي.
المهرج: يجب أن يعرف عليه. عليه أن يعرف. هو وكل قادة الأمم والبلدان، أنني في حبها هيمان (شاهراً سيفه) ومن أجلها سأخوض حرباً تحرق الأخضر واليابس ومعركة أين منها الغبراء أو داحس.
رسول شارلمان: حكم العقل يا مولاي.
المهرج: لن أحكّم إلا هذا السيف (يحاول إرعاب محدثه) أكتبْ أيها الكاتب (الممثل الثالث يستعد للكتابة) أكتب: أيها الكلب الحقير شارلمان..
رسول شارلمان: مولاي.
الممثل الثاني: لا يجوز.
المهرج: اخرس. اخرسا (للجمهور الضاحك) اخرسوا. نعم إنه كلبٌ وحقير ومتآمر أكتب: طالما الموضوع معلقاً بيننا.
المدرس: (محتجاً ) غلط، غلط. طالما أن الموضوع معلقٌ .
المهرج: اخرس. طالما الموضوع معلقٍ.
المدرس: غلط، غلط. طالما لا تدخل على الاسم. لا تدخل.
المهرج: (متحدياً) بل تدخل.
المدرس: (ينهض عن كرسيه ويتقدم متحدياً أيضاً) لا يمكن أن تدخل لا يمكن.
المهرج: وإذا دخلتْ ماذا يحدث؟
المدرس: تنهار قواعد اللغة.
المهرج: (يهجم عليه) إلى جهنم وبئس المصير وهل هي قواعد صواريخ (يضحك الجمهور بحماس).
المدرس: لا يمكن أن تدخل مستحيل. أوقفوا التمثيل. طالما لا تدخل على الاسم.
المهرج: بل ستدخل رغماً عن أنفك "يقبض على عنقه" هل هي أختك، أمك، ما علاقتك بها؟
المدرس: النجدة.. النجدة (الجمهور يضحك).
المهرج: هناك أناس يدخلون السجون والمستشفيات كل يوم وكل دقيقة، فهل تهتزُّ منك شعرة؟ طبعاً لن تهتز. أما من أجل..
المدرس: ما علاقة هذا بهذا.. النجدة.. أغيثوني.
المهرج: ومن أجل إدخال كلمة على كلمة تقيم الدنيا وتقعدها. أيها المحنط .. أيها المومياء.
المدرس: إنك تسيء إلى اللغة تنصف الفاعل وترفع المفعول وهذا آه..
المهرج: سأنصب مشنقتك (يرفعه عالياً) سأرفعك أنت ولغتك وقواعدها المبجَّاة إلى ما فوق رأسي وأخبطُكَ على الأرض.
المدرس: لا لا .. النجدة. النجدة أغيثوني (المهرج يلقي به بعيداً ويتركه يتأوه ويتوجع مولياً الأدبار ثم ينفضُ يديه منتصراً ويعود للتمثيل بينما يصفق له الجمهور بحرارة).
زبون : عاش البطل الخالد صقر قريش.
أصوات: عاش. عاش. عاش.
المهرج: "متابعاً إملاء الرسالة" تابع أيها اللام. وبخصوص الجارية كهرمان فإني أُعلِمُكَ دون لبْسٍ أو إيهام بأنني "بنبرة رجل عاشق" قد أتخلى عن مملكتي بأسرها ولن أتخلى عن قُلامةِ ظفرٍ من أظافرها. وإنني..
زبون: هذا تزوير.
صقر قريش لا يهتم بالنساء.
لم يكن يهتم أبداً.
المهرج: لأنه غبي. أما أنا فسأهتم "متابعاً الإملاء بنبرة عاشقة" وقد أتخلى عن عروبتي..
زبون: هذا تزوير.
لا يجوز.
مستحيل.
المهرج: إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها.. من له اعتراض فليتقدم "متابعاً الإملاء وسيفه بيده" وقد أتخلى عن روحي وحياتي.
زبون: هذا ليس صقر قريش.
انظروا كيف يتلّوى كالمخنث.
المهرج: سأمشي كما أريد. هِهْ "يمشي متمايلاً كالراقصة فيزداد ضحك الجمهور" هل يعجبك هذا؟
زبائن: (وسط التصفير وصيحات الاستنكار) هذا تزوير للتاريخ.
للحقائق..
القائد لا يتمايل.
لا يتخلّع.
المهرج: اخرسوا. سأمشي على رأسي هه. "يقلب في الهواء" سأرقص سأقفز سأغني كالمجانين "ينفذ هذه التهديدات فوراً" وسأخطئ في اللغة كما أريد ومن لا يعجبه فليأخذ نقوده ويسهر في المجمع اللغوي "يتابع الرقص ويغني أغنية شعبية معاصرة فينسجم معه القسم الأكبر من الجمهور ويشاركه الغناء والدبكة بينما ينسحب القلة منهم".
زبون: هذا مهرج. وليس صقر قريش.
المهرج: نعم مهرج. هل هو أفضل من شارلي شابلن ولوريل وهاردي؟ "يستأنف الرقص والفرقعة بأصابعه وسط حلقة من الجمهور المنسجم مع الموقف".
زبون: " وهو ينسحب" أؤكد أن صقر قريش يتململ الآن في قبره "يرن الهاتف في المقهى عدة مرات. صاحب المقهى يرفع السماعة والضجة مستمرة".
صاحب المقهى: ألو.. الو.. "للجمهور" دعونا نفهم. الو.. نعم _للجمهور) اسكتوا دعوني افهم (تخف الضجة قليلاً) نعم نعم.. من أنت؟
صوت من السماعة: (يدوي كالرعد) صقر قريش.
(يتجمد الجميع في أماكنهم ويرينُ صمتٌ مخيف. أما المهرج فقد كسا وجهه الشحوب وهو يرى صاحب المقهى يمدُ له سماعة الهاتف دون أن يقوى على الكلام.
المهرج: (متلعثماً) يريدني أنا؟
صاحب المقهى: (يزدرد لعابه ولا يستطيع الجواب.. وبينما يقبض المهرج على السماعة بيد مرتجفة.. يأخذ الجمهور بالتراجع نحو الخارج استعداداً للهرب).
المهرج: الو.. (صمت) نعم.
(تنطلق من سماعة الهاتف شتيمة (تفو) كطلقة مدفع خلال كاتم للصوت بحيث يجفل المهرج ويمسح عن وجهه رذاذاً وهمياً كما يجفل الجمهور أيضاً)
المهرج: نعم. نعم. كيف أحضر؟ بأية وسيلة.. من أين تتكلم.
صوت السماعة: من المقبرة.. من الماضي.. من التاريخ (يدوي الرعد في الخارج ويتسربل الجمهور الهارب مع الممثلين بخطوط متقاطعة من البرق وكأنها حبال من التاريخ بينما يترنح المهرج مستغيثاً).
المهرج: ماء.. جفَّ حلقي.. كرسي.. شُلَّتْ قدمي لا تتركوني النجدة.. النجدة (تطوقه خطوط البرق بحيث يصبح كالسمكه داخل الشبكه وتظلم الدنيا).
(ستار)
محمد الماغوط
****************
الفصل الأول
صباحٌ شتائيٌّ بارد مبكّر في حي شعبي قديم. يتناهى من بعيد صياحُ ديكة وصريرُ عجلات تقترب مع قرع طبل وصناجات رقص وكل الضجة التي تسبق فرقة مسرحية متجولة تضمُّ شرذمة من أدعياء الفن، سدّت في وجوههم أبواب الحياة فقرعوا باب الفن حتى "خلعوه" وهم في سبيل جمع المال لا يتورعون عن تشويه أرقى النصوص المسرحية ومسخ أبرز الشخصيات التاريخية وكل ما من شأنه تملّق الجمهور وتلبية رغباته الأنيقة المرتجلة. ويدير الفرقة قارعُ طبل نصف أمّي يُستخدم في تقديم البرامج ميكروفوناً يتدلى منه شريط كهربائي مقطوع كتأكيد غير مباشر على عدم ارتباط الفرقة بأية غاية سوى إضحاك الجمهور، أما أسلوبه فهو أشبه بأسلوب المذيع المحترف وهو ينقل مباراة رياضية أو حفلاً خطابياً من خارج الاستديو. منذ أن تُسمع ضجة الفرقة تنفتحُ الأبواب ويتوافد سكان الحب وهم بين النوم واليقظة فهذا بثياب النوم وذاك يجفف وجهه بمنشفة وآخر لم يُنْهِ ارتشاف الشاي على المائدة وتظهر البهجة على الوجوه عندما تظهر العربة الملونة بما تكدّس عليها من ثياب التمثيل وكراسي الزبائن وكأنها شجرةُ ميلاد متحركة، وعلى متنها راحت الممثلة الأولى والوحيدة في الغرفة ترقص وتتمايل.
قارع الطبل: أيها الزبائن الكرام.. أيها الجمهورُ الكريم
زبون: السلام عليكم.
قارع الطبل: وعليكم السلام (مستأنفاً خطابه) لقد كان المسرح..
زبون: صباح الخير.
قارع الطبل: صباح النور.. أهلاً وسهلاً (مستأنفاً) لقد ظلّ المسرح (يقاطعه مدرّس لغة عربية عجوزٌ نكد الخلقة والوجه وفدَ لتوّه ليجلس في المقهى المجاور لمكان التمثيل ومعه رزمة من الدفاتر).
المدرس: فنٌّ منذ الصباح الباكر؟
قارع الطبل: وماذا تريد منذ الصباح الباكر فولٌ بالزيت؟ حمص بالبصل؟
الممثل الأول: جاهل!
قارع الطبل: متخلّف (مستأنفاً خطابه للزبائن وقد أخذ عددهم يزداد) لقد ظل المسرحُ لسنواتٍ طويلة عجاف على هامش الحياة.. على هامش الشعب.. إلى أن قُدّر.
صاحب المقهى: إنكم تسدّون باب المقهى.
قارع الطبل: بل نرفعُ من مستواه.
صاحب المقهى: سأرفع عليكم دعوى .. بمجرد أن تفتح المحكمة.
الممثل الأول: جاهل!
قارع الطبل: متخلف (مستأنفاً خطابه) إلى أن قُدِّرَ لنفَرٍ من الشباب المتمرّس بالفن، المخلص لقضيته ومبادئه أن يعيدَ للمسرح (مرحباً بزبون جديد) أهلاً وسهلاً.. كرسيّ للأخ كرسي للأستاذ.
الممثل الثاني: حاضر (يقدم له كرسياً من العربة، وهو عمله الدائم قبل بدء التمثيل).
قارع الطبل: أن يعيدَ للمسرح مكانته ويردَّ له اعتباره من أجل الشعب ومصالح الشعب.
الممثل الأول: إذا الشعبُ يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
الممثل الثاني: ولا بدَّ لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر (تصفيق)
صاحب المقهى: اذهبوا إلى مكان آخر (يبعد كراسي الفرقة) اذهبوا إلى ساحة ثانية.
قارع الطبل: دعْ هذه الكراسي مكانها.
الممثل 1 : إنها كراسي الشعب.
الممثل 2 : نشرِّفُكَ إذ نمثِّلُ الروائع أمام مقهاك التَّعسِ هذا.
صاحب المقهى: اذهبوا قبل أن تثور ثائرتي.
الزبائن: دعونا نسمع. لا نرى شيئاً . دعونا نفهم.
قارع الطبل: نحن هنا بإرادة الشعب ولن نخرج إلا .
صاحب المقهى: (يخلع حذاءه مهدداً) ستخرج بهذا الحذاء.
الممثل الثاني: حذارِ إنه مدير الفرقة.
صاحب المقهى: (ساخراً) كان حمالاً يحمل الصناديق وغيرها.
قارع الطبل: أما الآن فأنا حاملُ مسؤولية.
الممثل الأول: حاملُ حضارة.
زبون: دعهم، من تظن نفسك؟
زبون: إنهم فنانون.
صاحب المقهى: بل دجالون كلما استخدمتُ أحداً لمساعدتي في المقهى لعبوا برأسه وأخذوه ممثلاً. هذا كان في الوِجاق، وذاك يقدِّمُ النراجيل وهذا.
الممثل الثاني: نحن أحرار.
الممثل 1 : كنا ضالين ووجدنا طريقنا.
صاحب المقهى: هنيئاً لكم بهذا الطنبر (يدخل إلى مقهاه).
الممثل 1 : جاهل.
قارع الطبل: متخلف (مستأنفاً الخطاب) وأهمية هذه الظاهرة أن القائمون عليها.
المدرس: (محتجاً) إن القائمين.. القائمين عليها.. وليس القائمون.
قارع الطبل: (منصاعاً تحاشياً لاصطدام جديد) إن القائمين عليها رفضوا بهرجَ الدنيا وزخرف الحياة وتعلقوا بأهداب الفن.
قارع الطبل: لم تكن ساعة خير بالتأكيد.
زبون: اسكت.
قارع الطبل: اخرس (مستأنفاً ) فليس عندهم ستائر وتذاكر وشباك تذاكر. ليس عندهم إلا الشعب والإيمان بالشعب.
زبون: "مصفقاً" واحد قهوة.
قارع الطبل: واحد قهوة للأستاذ (مستأنفاً) وبدلاً من أن يذهب الشعبُ إلى المسرح جعلوا المسرح يذهب إلى الشعب (تصفيق) فنحن..
الممثل 1 : فنحن لم نشيّدْ مسرحاً؟ مكان ثابت. لأن هذا المكان أو هذه الأرض قد تُستغلُّ في زراعة حقل أو إقامة مصنع.. (تصفيق) كما أننا
الممثل 2 : كما أننا لم نستخدم الستائر لأن هذه الستائر قد يُستفادُ منها في تضميد الجراحِ وستر العراة وتكفين الشهداء.
قارع الطبل: فإلى جيوبكم أيها الإخوان المواطنون وتمتَّعوا معنا بالقول الجميل والفن الأصيل الذي يخدم الشعب.
الممثل 1 : وأهداف الشعب.
الممثل 2: عاش الشعب (تصفيق).
قارع الطبل: لأننا كفنانين نعرف ماذا يريد فعلاً هذا الشعب (تصفيق)
زبون : (مصفقاً لغاية أخرى) أركيله .
زبون: طاولة زهر.
قارع الطبل: (مزدرداً لعابه) يريد ثقافةً حية ومسرحيات تعالج همومه ومشكلاته (تصفيق وورود زبائن جدد) أهلاً وسهلاً.. كراسي للأخوان. بسرعة بسرعة (مستأنفاً) ويسرُّنا بهذه المناسبة أن نبدأ برنامجنا لهذا اليوم بواحد من أعظم كُتَّابِ المسرح في العالم. ألا وهو شكسبير وبمسرحيةٍ هي من أعظم المسرحيات في العالم ألا وهي مسرحيةُ عطيل (تصفيق) وسوف تشاهدون هذه المسرحية بحلّةٍ جديدة مشعة وأسلوب لم يُطرقْ من قبل أبداً كل ذلك بفضل نخبةٍ من الشباب المتمرّد الطليعي الثائر (الممثلون ينحنون للجمهور).
صاحب المقهى: إنهم قمامة.
قارع الطبل: اخرسْ (مستأنفاً) وسيقومُ بدور عطيل ممثلٌ شابٌ قفز (يقفز من بين أكوام الثياب على العربة الممثل الأول في الغرفة وينحني للجمهور) اسمُهُ بسرعة وأصبح خلال شهور من ألمعِ نجوم المسرح. أما دور ديدمونه فستؤدّيه ممثلةٌ نابغةٌ رضعتْ الفنَّ منذ نعومة أظفارها (تقفز الممثلة الأولى وهي ترضع مصاصة أطفال في فمها وتحيي الجمهور) أما الديكور ورسوم الشخصيات فسوف يقومُ بها جميعاً الفنان العظيم (يقفز الرسام وهو يحمل سطلاً وفرشاة ينحني للجمهور ويبدأ بطَلْي الممثلين) الذي بدأ حياته رساماً كلاسيكياً ثم انتقل من المدرسة الكلاسيكية إلى التعبيرية فالواقعية فالتجريدية وهكذا إلى أن أصبح أعظمَ طرَّاشٍ في البلد يتهافت عليه البناؤون في كل مكان.. أيها الأخوة.. (تصفيق) أيها الأخوة المواطنون.. وبما أننا في عصر السرعة ووقتُنا من ذهب.
زبون: يشخر بصوت مسموع.
زبون: يسحب نفساً مدوياً من نارجيلته.
قارع الطبل: (متجاهلاً هذا الجواب – الصفعة- ) ولأن وقتنا من ذهب فلن نقدم المسرحية بكاملها، بل سنكتفي بفصل واحد منها، وهو الفصل المتعلقُ بالغيرة (الممثلون يصفقون) لأن الغيرة أيها الأخوة من أهم الأخطار التي تواجه أمتنا في الظروف المصيرية الراهنة (الممثلون يصفقون) فإلى مشهد الغيرة الخالد. في مسرحية عطيل الخالدة (الجمهور والممثلون يصفقون بينما ينزوي قارع الطبل ويفسح مجالاً للتمثيل.. صمت ونحنحاتٌ وأصوات نراجيل ثم يُسلّط الضوء على الممثل الأول في دور عطيل وقد أخذ يشد من قامته ويتشنج محاولاً بطريقة مضحكة ومبتذلة تقمّصَ شخصية عطيل كقائد يسير بغطرسة وتوتر وكأنه بلا مفاصل.. وسيطلق عليه من الآن وصاعداً اسم المهرج).
المهرج: أيها الليلُ.. أيها النهار، اشهدوا على حبي لديدمونه.
المدرس: (محتجاً) اشهدوا .. اشهدا .
المهرج: أيها الليل أيها النهار، أيها العصرُ أيها المساء اشهدا على حبي.
المدرس: (محتجاً) اشهدوا.. اشهدوا.
المهرج: (منفعلاً) أيها الليل، أيها النهار، أيها العصر، أيها المساء اشهدا على حبي لديدمونه. ساعدوني على تحمل فراقها وأنا ماضٍ إلى المعركة.. كاسيو كاسيو.
الممثل الأول: (يظهر بشخصية كاسيو) أمر مولاي.
المهرج: ساعدني يا صديقي أنجدني ببعض الشعر.. ببعض الصلوات التي لم تُرتَّل إلا للملائكة لأرتِّلَها على مسامع ديدمونه تلك الزهرة العطرة والحمامةِ الوديعة والفراشةِ التي لم تعرف نابولي.
الممثل الثاني: (هامساً من زاوية ما) البندقية.
المهرج: البنديقةَ مثيلاً لها في الحب والإخلاص والوفاء.
الممثل الأول: إنك تبالغ في ثقتك بها يا مولاي ولا ترى أبعد من أنفك.
المهرج: (يمسك نفه) أنفي؟
الممثل الأول: نعم يا مولاي. فديدمونه ليست مخلصة لك كما تتوهم.
المهرج: ماذا تعني يا عزيزي كاسيو.
الممثل الأول: أعني أنها تحبُّ شخصاً آخر.
المهرج : من؟ أبوها؟
الممثل الأول: لا.
المهرج: أمها؟
الممثل الأول: لا.
المهرج: (بعصبية) أخوها عبدُها كلبُها من تحبُّ إذن؟
الممثل الأول: شخصاً آخر لا يمت إليها بصلة إلا بشفتيه وذراعيه و ..
المهرج: (يصفعه) كاذب. كاذب. الرعدُ يبرهن على قدوم الشتاء. والليل يبرعن على غياب الشمس فبرهن على خيانتها يا وجه النحس (الجمهور يضحك).
الممثل الأول: (يخرج من عُبِّه منديلاً) هذا هو البرهان.
المهرج: (يخطف المنديل ويشمه ككلاب الأثر) منديلها. منديل ديدمونه. أين وجدَته؟ أين عثرت عليه؟ كلم.
الممثل الأول: مولاي..
المهرج: تكلّمْ وإلا طار رأسك إلى روما.
الممثل الأول: في منزل عشيقها . كانت زوجتي تقوم على خدمة المنزل وتربيته بعد معركةٍ ضارية في السرير على ما يبدو. فعرت عليه.
المهرج: (شاهراً خنجره) ما اسمه؟ ما اسم هذا المرحوم سلفاً؟
الممثل الأول: مولاي. ليس من طبعي إثارة المتاعب للآخرين.
المهرج: تكلم وإلا مددتُ يدي إلى حلقك كالقابلة وانتزعت الاعتراف كاملاً. من هو؟ ما اسمه؟
الممثل الأول: اسأل ديدمونه. فعندها الخبر اليقين (ينزوي جانباً).
المهرج: ديدمونه... ديدمونه.
الممثلة: (تظهر ملبية النداء وهي بثياب عصرية، تعلك لباناً وتؤرجح حقيبتها ـ الجمهور يصفق لها فتبتسم له ثم تنصرف لأداء دورها) هل تناديني يا مولاي؟
المهرج: أين كنتِ حتى الآن؟
الممثلة: (مترددة) كنت..
الزبائن: بالسينما. عند الخياطة.. عند الكوافير.
الممثلة: (للجمهور) وحِمَّى.
المهرج: (للجمهور أيضاً) رجاء يا اخوان (للمثلة) حديث مع الجمهور أين كنت أين؟
الممثلة: في الحديقة. هل تريد شيئاً مني؟
المهرج: (يفتعل العطاس) مصاب بزكام.. اعطني منديلك.
الممثلة: (تبحث في حقيبتها) أين اختفى؟
المهرج: (يعطس) بسرعة.. بسرعة ألا ترين أنفي كالمزراب.
الممثلة: استعمل كلينكس (تقدم له منديل ورق).
المهرج: (يلقيه أرضاً) أريد المنديل.. المنديل المطرز بالورود والرياحين. منديل عرسنا يا ديدمونه.
الممثلة: لا أعرفُ أين اختفى . ربما سقط مني في الحديقة.
المهرج: في الحديقة أم في سرير عشيقك يا خائنة (يصفعها).
الممثلة: عطيل!
المهرج: (يكرر الصفعة) يا عاهرة.
الممثلة: (وهي تتراجع مذعورة أمام أصابعه الممدوده لخنقها) مولاي. ضع عقلك في رأسك.
المهرج: سأضعك في القبر يا عاهرة يا خائنة يا عميلة (ترتمي بين ذراعيه مدَّعيةً الموت فيصفق الجمهور ويصفّرُ طرباً وانسجاماً بينما يدخل الممثل الثاني بلباس جندي محارب ومن الخارج يتناهى وقع حوافر وصهيل جياد وقعقعة سيوف).
الممثل الثاني: مولاي. الأعداء على أبواب البندقية. والجيش بانتظارك.
المهرج: (نائحاً مولولاً) اخرجْ. اغربْ عن وجهي أيها الوغد. لا أريد أن أحارب . لا أريد أن أكافح بعد الآن.. سأهيمُ على وجهي في الفلوات (يتلمس طريقه كالأعمى وهو ينوحُ وسط تصفيق الجمهور وصيحات إعجابه).
قارع الطبل: (مستغلاً حماس الجمهور لهذه الفترة من البرنامج) وهكذا أيها الاخوة رأيتم بأم أعينكم ما تفعله الغيرة في النفوس، وما تلحقه من ضعف وخدر في الهمم والعزائم.
المهرج: (فوق جثة ديدمونه) آه يا حبيبتي.. ويا قرة عيني.
قارع الطبل: فبينما كان عطيل.. هذا البطلُ المغربيُّ الشجاعُ يستعدُّ للذهاب إلى الحرب، والنضال ضد الاستعمار، لم يجد أعداء هذه الأمة سوى هذا الأسلوب الرخيص، أسلوب الغيرة لصرْفِهِ عن واجبه (وهو يشير إلى المهرج الذي حمل الجثة بين يديه وخرج بها مولولاً) انظروا إلى هذا المغربي الشجاع، هذا الفارس الذي كيف انقلب من قائد صنديد لا يهاب الموت إلى إنسان مسحخوق لا يقوى على شيء.
زبون: عاش نضالُ الشعب المغربي البطل.
أصوات: عاش . عاش . عاش .
قارع الطبول: ولكن من المسؤول أيها الأخوة عن هذه
زبون: عاش الشهيد المهدي بن بركة.
أصوات: عاش . عاش . عاش (تصفيق).
قارع الطبول: ولكن من المسؤول عن هذا المصير المؤلم الذي لقيه هذا البطل المغربي الشجاع؟ من دمّر حياته وحرمه من بيته وزوجته وطمأنينته؟
زبون: شكسبير.. شكسبير.
زبون: يسقط الكاتب الاستعماري شكسبير.
أصوات: يسقط . يسقط . يسقط .
قارع الطبل: نعم أيها الإخوة . إنه شكسبير. هو السؤول عن هذه المأساة التي حلَّتْ ببطلنا العربي الخالد عطيل. ولكن. ولكن علينا أن نسأل من يقفُ وراء شكسبير هذا؟ من القوى التي تسانده وتقف وراءه؟
صوت: بريطانيا.. بريطانيا.
أصوات: تسقط بريطانيا.. تسقط.. تسقط.. تسقط.
قارع الطبل: نعم بريطانيا أيها الأخوة.. ولكن علينا أن نسأل أيضاً من يقف وراء بريطانيا؟
أصوات: أميركا.. أميركا.
قارع الطبول: (وسط التصفيق والتهليل) نعم أميركا أيها الأخوة. القواعد الذرية، طائرات الفانتوم.
صوت: يسقط حلف الأطلسي.
أصوات: يسقط . يسقط. يسقط.
قارع الطبل: وهكذا كنتم أيها الاخوة المواطنون مع فصل أليم.. من فصول الاستعمار.. فصل ظهرت فيه..
صوت: هتاف لا علاقة له بالموضوع.
أصوات: يسقط.. يسقط.. يسقط.
قارع الطبل: (مستأنفاً) ظهرت فيه النوايا الاستعمارية في أبشع صورها وأحط أهدافها (تصفيق) ولكن .. ولكن أيها الأخوة.. هل علينا لأن نستسلم أن نيأس ..؟ أبداً أيها الاخوة. لن نستسلم ولن نيأس مادام تاريخنا غنياً بالبطولات والمكارم زاخراً بالقيم والمعاني ويسرُّ فرقة المسرح الجوال المناضلة والمنافحة من أجل أهدافه وأمانيه أن تقدم لجمهورها الواعي المثقف صفحةً حيةً من تاريخنا المجيد.. فعطيل ليس البطل الوحيد في تاريخنا.. فحيثما قلَّبْنا صفحاتِ ذلك التاريخ.. نجد البطولات تزحمُ البطولات، والقائد يزحمُ القائد. فمن أين نبدأ أيها الأخوة؟ من أين ننهلُ.. والله لا أعرف.. أبو عبيدة الجراح.. خالد بن الوليد.
زبون: الحجاج.
قارع الطبل: الحجاج.
زبون: أبو جعفر المنصور.
قارع الطبل: أبو جعفر المنصور، أبو ذر .. أبو تمام.
أصوات: هارون الرشيد.. هارون الرشيد (تصفيق).
قارع الطبل: نعم أيها الأخوة هارون الرشيد، هو خير من يمثِّلُ العدالة العربية والشهامة العربية في أزهى حللها وأجمل مشاعرها.. فإلى العدالة العربية والشهامة العربية أيها الاخوة المواطنون.. إلى (بصوت مرتفع متحمس) هارون الرشيد (ينسحب عن المسرح ليخليه للمهرج وقد ظهر بقناع يمثل هارون الرشيد فيتعالى التصفيق والضحك والصفير. ثم يجلس إلى طاولة عامرة بأصناف الطعام فيبدأ بالتهامها بشراهة تدعو للمزيد من الضحك) إن سعادته كما ترون ينكبُّ على طعامه باهتمام بالغ كما هي عادته كلما كان على وشك النظر في قضايا الشعب قضايا الجياع والمظلومين (ينسحب قارع الطبل نهائياً ويرين الصمت استعداداً للمشهد الجديد).
الممثل الثاني: (بلباس خادم عباسي) مولاي. في الباب اعرابي يطلب المثولَ بين يديك، فهل أقول له لبيك؟
المهرج: (وفمه مملوء بالطعام حتى نهاية هذا المشهد) إليّ به في الحال.
الممثل الثاني: أيها البدوي تعال.
الممثل الثالث: (متقمصاً شخصية أعرابي فقير يدخل ويرتمي عند قدمي المهرج) مولاي. ليس لي إلاك يرأف بحالي. ويرد لي ما ضاع من مالي.
المهرج: قصتك باختصار وبالتفصيل.
الممثل الثاني: فسعادته لا يحب الثرثرة والتطويل (المهرج يومئ برأسه إيماءاتٍ مضحكة).
الممثل الثالث : مولاي. كنت لسنوات خلت ، فتى عربياً غضَّ الإهاب، موفور الصحة لا أدخل من شباك أو باب وعندي..
المهرج: وبعد؟
الممثل الثالث : وعندي مال وجواري، ونوق تسرح في الوهاد والبراري..
المهرج: وبعد ، و بعد؟
الممثل الثالث : أناخ الدهر علي بكلْكَلِه ، فحرمني من مشربه ومأكله، حتى صرت من الضعف والهزال، أمرق والله من ثقوب النخل والغربال.
المهرج: وبعد ، وبعد ، وبعد؟ (الجمهور يضحك).
الممثل الثالث : حطّ بي الزمان عند تاجر كالثعبان.
المهرج: والتتمة؟.
الممثل الثالث : رحل بلا ذمة. بلع أجرتي، وأهان كرامتي، وشردني ما بين الموصل والبصرة لا أملك والله إلا عكازاً وصُرّه.
المهرج: وخلاصة الكلام؟
الممثل الثالث: علي وعلى عائلتي السلام. فعندي تسعة أطفال وزوجة لسانها متران، وهم ينتظرون إشارة من يدك الكريمة ترد حقنا وكفاف يومنا، وإلا صرنا للكلاب وليمة.
المهرج: (متنفساً الصعداء) أعطوه ألف دينار.
الممثل الثالث : شكراً يا مولاي.
المهرج: واقطعوا رأسه لأنه ثرثار (تصفيق).
الممثل الثالث : (فزعاً) مولاي (يظهر السياف ويقبض على المظلوم ويسوقه أمامه وهو يصرخ) الرحمة.. الرحمة (يغيبان ثم تنطلق صرخة مروعة يعقبها تصفيق وصفير وتهليل من الجمهور).
المهرج: (يصفق منتشياً) والآن إلي في الحال براقصةٍ ذات غنج ودلال (تدخل على الفور الممثلة بثياب جارية وترقص أمام المهرج على الأنغام التي يعزفها أحد الممثلين وهو يغني أغنية شعبية غرامية سرعان ما يشارك الجمهور في ترديدها والتصفيق لها طرباً واستحساناً).
قارع الطبل: وهكذا أيها الأخوةُ كنتم مع العدالة العربية والكرم العربيّ في أبهى صورة وأروع شكل مع صورةٍ مشرقةٍ من تاريخنا حيث أخذَ الحقُّ مجراه فوراً دون مناقشاتٍ ومداولاتٍ قد تستمرُّ الشهور والسنوات. رأساً أنصف المظلوم وعُوقبَ الظالم، بأسلوبٍ كله خفة ومجد ومكارم (يختفي الممثلون ويرتفع تصفيق الجمهور).
زبون: واحد شاي.
قارع الطبل: ولكن أيها الاخوة..
زبون: (ينقر على نارجيلته) نارة . نارة .
قارع الطبل: ولكن أيها الاخوة المواطنون. هل استمرَّت الأمور على هذه الحال؟ أبداً أيها الاخوة، فما أن مات هارون الرشيد وتولى الخلافة ابنه الأمين ذو النزعة العربية الصادقة والروح القومية الخالصة، حتى جُنّ جنون الاستعمار الفارسي. وراح يتَّهِمُهُ بالشوفينية ويحرّض عليه الأتباع والقبائل. مستفزاً أخاه المأمون . منتصراً له. لماذا أيها الأخوة؟ لمجرد أن أُمَّهُ فارسية. وسرعان ما دبَّ الخلاف واندلعت الحرب، وسالت الدماء وحلّ الفقر والجوع والخراب. والاستعمار الفارسيّ موغلٌ في تآمره، ناشطٌ في كيده لهذا الشعب ، لهذه الأمة.
زبون: تسقط الرجعة الايرانية.
أصوات: تسقط. تسقط. تسقط.
قارع الطبل: ولكن أيها الاخوة..
زبون: عاش الدكتور.
أصوات: عاش. عاش. عاش.
قارع الطبل: ولكن خاب ظن الاستعمار، فهذه الأمة كلما كَبَتْ نهضت، وكلما تعثَّرتْ استقامت. فما هي إلا سنوات، حتى عاد الاستقرار من جديد يعم الأرض العربية والحضارة العربية بفضل ما تنتجه البطون الحوامل من قادة وفرسان بطولاتهم على كل شفة ولسان. فمن منا لا يفخر بالغافقي، وعقبة وطارق.. انهم..
زبون: وصقر قريش، صقر قريش (تصفيق طويل).
أصوات: صقر قريش.. صقر قريش.
قارع الطبل: نعم أيها الاخوة، وصقر قريش أيضاً واحد من هؤلاء الأبطال. هؤلاء الفرسان الذي أسسوا الدولة العباسية.
المدرس: الأموية.. الأموية.
قارع الطبل: الدولة الأموية في بغداد.
المدرس: في الأندلس ، في الأندلس.
قارع الطبل: في بغداد ، في الأندلس، في كل مكان (تصفيق) وصقر قريش أيها الاخوة، خيرُ ما نختَتِمُ به برامجنا المسرحية لهذا اليوم (تصفيق) حتى نستعيد ثقتنا بأنفسنا ، بماضينا، بمستقبلنا. فإلى البطولة العربية إلى الشجاعة العربية في أروع صورها وأبهى حللها.. إلى صقر قريش (ينزوي جانباً وسط التصفيق والتهليل، ويظهر المهرج منتحلاً شخصية صقر قريش انتحالاً مروعا. الكوفية والعقال فوق البنطلون ويبالغ في التقطيب والتشنج ليؤدي دور القائد الحازم كما يفهم الحزم بحيث يبدو كيوسف وهبي في فيلم كرسي الاعتراف فيضج الجمهور بالصفير والضحك).
المهرج: يا غلام.
الممثل الثاني: أمر مولاي.
زبون: (محتجاً) صقر قريش بالبنطلون؟ يا لها من مهزلة.
قارع الطبل: رجاء يا اخوان.
المهرج: (كاتماً غيظه) يا غلام.
زبون: إنها مهزلة.. وبنطلون شارلستون أيضاً.
المهرج: (متحدياً) بالبنطلون، وبالشورت أيضاً. أنا حر أفعل ما أشاء (يضع قبعة شابو على رأسه فوق العقال فيضحك الجمهور لمنظره) هه. أيعجبك هذا (مستأنفا التمثيل) يا غلام.
الممثل الثاني: نعم . نعم يا مولاي.
زبون: وصقر قريش كان أرمداً؟
المهرج: وهل أنت طبيب؟
زبون: هذا معروف.
المهرج: (يضع نظارات شمسية على عينيه فيتضاعق ضحك الجمهور) تفضل (للمثل الثاني) هل من أحدٌ سأل عنا؟
المدرس: (محتجاً) هل من أحدٍ.. أحدٍ .
المهرج: هل من أحدٍ سأل عنا؟
الممثل الثاني: رسول من شارلمان.
المهرج: من شارلمان؟ ليدخل (يجلس خلف طاولة مكتب ويلفُّ ساقاً على ساق ويتصفح جريدة يتظاهر بأنه يعبّئ مركزه). (يدخل حاملاً رسالة على شكل اسطوانة كبيرة من الورق) السلام عليك يا أمير المؤمنين.
المهرج: (يخطف الرسالة بنزق ويلقي عليها نظرة ثم يصرخ) هدنة شهر؟ يطلب مني هدنة شهر؟ يا للوقاحة (يتمشى متصنعاً الغضب والاهتمام).
رسول شارلمان: إنه يرجوك ويلحفُ بالرجاء يا مولاي.
المهرج: حتى لو قبَّلَ حذائي هذا (يضحك الجمهور عندما يرى حذاءه المثقوب) لن ينال يوماً واحداً.
رسول شارلمان: شهر واحد فقط؟
المهرج: قد أمدِدُ الشهر إلى شهرين والسنة إلى سنتين، ولكنني لن أمدد الهدنة يوماً واحداً. وسأهاجمه كالغضنفر ما بين أيلول وسبتمبر.
زبون: (مندهشاً) ولكنه نفس الشهر.
المهرج: اخرس.
رسول شارلمان: سوف يُصْعَقُ لهذا الجواب.
المهرج: لينفلقْ. ليضرب رأسه بالحائط (متفجعاً ) لأنني لن أنسى أبداً ما فعله بلواعج روحي، عندما حرمني تلك الجارية التي فتنت قلبي وسلبت لبي. الجارية كهرمان .
رسول شارلمان: ولكنه تزوجها وأنجب منها.
المهرج: (باكياً) آه منها. بسببها لا أنام الليل والنهار، كأن في قلبي فلفلٌ وبهار.
المدرس: (محتجاً) فلفلاً . فلفلاً . إنها اسم.
المهرج: اخرس.
رسول شارلمان: ولكنه يجهل ذلك يا مولاي.
المهرج: يجب أن يعرف عليه. عليه أن يعرف. هو وكل قادة الأمم والبلدان، أنني في حبها هيمان (شاهراً سيفه) ومن أجلها سأخوض حرباً تحرق الأخضر واليابس ومعركة أين منها الغبراء أو داحس.
رسول شارلمان: حكم العقل يا مولاي.
المهرج: لن أحكّم إلا هذا السيف (يحاول إرعاب محدثه) أكتبْ أيها الكاتب (الممثل الثالث يستعد للكتابة) أكتب: أيها الكلب الحقير شارلمان..
رسول شارلمان: مولاي.
الممثل الثاني: لا يجوز.
المهرج: اخرس. اخرسا (للجمهور الضاحك) اخرسوا. نعم إنه كلبٌ وحقير ومتآمر أكتب: طالما الموضوع معلقاً بيننا.
المدرس: (محتجاً ) غلط، غلط. طالما أن الموضوع معلقٌ .
المهرج: اخرس. طالما الموضوع معلقٍ.
المدرس: غلط، غلط. طالما لا تدخل على الاسم. لا تدخل.
المهرج: (متحدياً) بل تدخل.
المدرس: (ينهض عن كرسيه ويتقدم متحدياً أيضاً) لا يمكن أن تدخل لا يمكن.
المهرج: وإذا دخلتْ ماذا يحدث؟
المدرس: تنهار قواعد اللغة.
المهرج: (يهجم عليه) إلى جهنم وبئس المصير وهل هي قواعد صواريخ (يضحك الجمهور بحماس).
المدرس: لا يمكن أن تدخل مستحيل. أوقفوا التمثيل. طالما لا تدخل على الاسم.
المهرج: بل ستدخل رغماً عن أنفك "يقبض على عنقه" هل هي أختك، أمك، ما علاقتك بها؟
المدرس: النجدة.. النجدة (الجمهور يضحك).
المهرج: هناك أناس يدخلون السجون والمستشفيات كل يوم وكل دقيقة، فهل تهتزُّ منك شعرة؟ طبعاً لن تهتز. أما من أجل..
المدرس: ما علاقة هذا بهذا.. النجدة.. أغيثوني.
المهرج: ومن أجل إدخال كلمة على كلمة تقيم الدنيا وتقعدها. أيها المحنط .. أيها المومياء.
المدرس: إنك تسيء إلى اللغة تنصف الفاعل وترفع المفعول وهذا آه..
المهرج: سأنصب مشنقتك (يرفعه عالياً) سأرفعك أنت ولغتك وقواعدها المبجَّاة إلى ما فوق رأسي وأخبطُكَ على الأرض.
المدرس: لا لا .. النجدة. النجدة أغيثوني (المهرج يلقي به بعيداً ويتركه يتأوه ويتوجع مولياً الأدبار ثم ينفضُ يديه منتصراً ويعود للتمثيل بينما يصفق له الجمهور بحرارة).
زبون : عاش البطل الخالد صقر قريش.
أصوات: عاش. عاش. عاش.
المهرج: "متابعاً إملاء الرسالة" تابع أيها اللام. وبخصوص الجارية كهرمان فإني أُعلِمُكَ دون لبْسٍ أو إيهام بأنني "بنبرة رجل عاشق" قد أتخلى عن مملكتي بأسرها ولن أتخلى عن قُلامةِ ظفرٍ من أظافرها. وإنني..
زبون: هذا تزوير.
صقر قريش لا يهتم بالنساء.
لم يكن يهتم أبداً.
المهرج: لأنه غبي. أما أنا فسأهتم "متابعاً الإملاء بنبرة عاشقة" وقد أتخلى عن عروبتي..
زبون: هذا تزوير.
لا يجوز.
مستحيل.
المهرج: إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها.. من له اعتراض فليتقدم "متابعاً الإملاء وسيفه بيده" وقد أتخلى عن روحي وحياتي.
زبون: هذا ليس صقر قريش.
انظروا كيف يتلّوى كالمخنث.
المهرج: سأمشي كما أريد. هِهْ "يمشي متمايلاً كالراقصة فيزداد ضحك الجمهور" هل يعجبك هذا؟
زبائن: (وسط التصفير وصيحات الاستنكار) هذا تزوير للتاريخ.
للحقائق..
القائد لا يتمايل.
لا يتخلّع.
المهرج: اخرسوا. سأمشي على رأسي هه. "يقلب في الهواء" سأرقص سأقفز سأغني كالمجانين "ينفذ هذه التهديدات فوراً" وسأخطئ في اللغة كما أريد ومن لا يعجبه فليأخذ نقوده ويسهر في المجمع اللغوي "يتابع الرقص ويغني أغنية شعبية معاصرة فينسجم معه القسم الأكبر من الجمهور ويشاركه الغناء والدبكة بينما ينسحب القلة منهم".
زبون: هذا مهرج. وليس صقر قريش.
المهرج: نعم مهرج. هل هو أفضل من شارلي شابلن ولوريل وهاردي؟ "يستأنف الرقص والفرقعة بأصابعه وسط حلقة من الجمهور المنسجم مع الموقف".
زبون: " وهو ينسحب" أؤكد أن صقر قريش يتململ الآن في قبره "يرن الهاتف في المقهى عدة مرات. صاحب المقهى يرفع السماعة والضجة مستمرة".
صاحب المقهى: ألو.. الو.. "للجمهور" دعونا نفهم. الو.. نعم _للجمهور) اسكتوا دعوني افهم (تخف الضجة قليلاً) نعم نعم.. من أنت؟
صوت من السماعة: (يدوي كالرعد) صقر قريش.
(يتجمد الجميع في أماكنهم ويرينُ صمتٌ مخيف. أما المهرج فقد كسا وجهه الشحوب وهو يرى صاحب المقهى يمدُ له سماعة الهاتف دون أن يقوى على الكلام.
المهرج: (متلعثماً) يريدني أنا؟
صاحب المقهى: (يزدرد لعابه ولا يستطيع الجواب.. وبينما يقبض المهرج على السماعة بيد مرتجفة.. يأخذ الجمهور بالتراجع نحو الخارج استعداداً للهرب).
المهرج: الو.. (صمت) نعم.
(تنطلق من سماعة الهاتف شتيمة (تفو) كطلقة مدفع خلال كاتم للصوت بحيث يجفل المهرج ويمسح عن وجهه رذاذاً وهمياً كما يجفل الجمهور أيضاً)
المهرج: نعم. نعم. كيف أحضر؟ بأية وسيلة.. من أين تتكلم.
صوت السماعة: من المقبرة.. من الماضي.. من التاريخ (يدوي الرعد في الخارج ويتسربل الجمهور الهارب مع الممثلين بخطوط متقاطعة من البرق وكأنها حبال من التاريخ بينما يترنح المهرج مستغيثاً).
المهرج: ماء.. جفَّ حلقي.. كرسي.. شُلَّتْ قدمي لا تتركوني النجدة.. النجدة (تطوقه خطوط البرق بحيث يصبح كالسمكه داخل الشبكه وتظلم الدنيا).
(ستار)