محمد شركي
05-15-2007, 04:41 AM
صدر للباحث والكاتب الدكتور فريد الأنصاري ؛ وهو أستاذ جامعي وداعية يعمل في الحقل الدعوي كتاب تحت عنوان : الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب / انحراف استصنامي في الفكر والممارسة ؛ وهو عبارة عن حقائق تاريخية كما سماه صاحبه ومقولات نقدية تنشر لأول مرة ؛ والكتاب من حجم 14/21سنتم ؛ في 178 صفحة بغلاف أحمر بلون النعمان تتوسطه عقرب خضراء ؛ وقد استوحيت الصورة من عبارة كررها المؤلف عن العقارب الخضراء التي توشك أن تسود وهو وصف لبعض من انحرفوا بالدعوة الإسلامية حسب تعبير الكاتب. والكتاب يتضمن مقدمة وتمهيدا وبابين الأول فيه خمسة فصول ويتمحور حول أخطاء الجماعات الإسلامية غير السلفية ؛ بينما خصص الباب الثاني وفيه ثلاثة فصول لأخطاء الجماعات السلفية . وينتهي الكتاب بخاتمة .
وكعرض لمضامين الكتاب نبدأ بالمقدمة التي يتبرأ فيها الكاتب من النية المبيتة للنيل من هذه الحركات ؛ ويصرح بأنه يريد النقد البناء لا النقض الهادم من أجل إصلاح الاعوجاج إحياء لسنة السلف في تصحيح ما اعوج وفسد ؛ خصوصا وأن الظرف جد دقيق بالنسبة للأمة الإسلامية. وقد اصطلح المؤلف على ما نسبه من انحراف لهذه الجماعات بالاستصنام ؛ وهو لغة اتخاذ الصنم ؛ والأستاذ الأنصاري معروف باستعمال المصطلح القرآني للتعبير عن الظواهر الاجتماعية صلاحا وفسادا ؛ وقد استوحى مصطلحه الاستصنام من صنم السامري وهو العجل الذي انحرف به قوم موسى عن الجادة كما انحرفت الحركات الإسلامية عن الدعوة بالسياسة.
وبينما أثنى الكاتب على الحركات الإسلامية في السبعينات و الثمانينات فانه قد تبرأ منها بعد تقليعة اتخاذ الحزب السياسي وهو انحراف خطير حسب وصفه قضى على المكاسب الدعوية.
وأما الخاتمة فهي عبارة عن تطلعات من الكاتب لتحطيم الصنمية التي وقعت فيها الحركات الإسلامية لتعود إلى الجوانب التعبدية الدعوية وهي أخلاق القرآن ؛ ويبث نداء لأبناء الحركات الإسلامية لصيانة الشريعة من خلال نصائحه المبثوثة خلال نقده للانزلاقات ؛ وهي نصائح عامة ولست طروحات بديلة لأن البدائل سبق له أن نشرها في الناس من قبل كما صرح بذلك ؛ من خلال كتبه المشاريع المنشورة.
والكتاب بعد ذلك يتضمن النقد القاسي للحركات الإسلامية الذي نحاول عرض بعضه دون تعقيب كما يفعل البعض على صفحات بعض الجرائد.
يعتبر المؤلف أن اتخاذ حزب سياسي هو أكبر خطأ وقعت فيه الحركة الإسلامية في المغرب. وهو يذكر بهدف العمل الإسلامي المتمثل في تجديد الدين بعد ضعفه في النفوس ؛ في حين كانت فكرة تكوين الحزب بمثابة فتنة كفتنة السامري حيث أصبح الحزب بمثابة صنم يقدس وتنصرف إليه الهمم عوض تجديد الدين وخدمته . ويرى الكاتب أنه كان بإمكان الحركة الإسلامية أن تحصل أفضل النتائج السياسية لو أنها اشتغلت بالدعوة ولم تشتغل بالسياسة؛ لهذا حكم على التجربة السياسية الإسلامية بالفشل بالمقاييس الشرعية والسياسية أيضا ؛ لأن النتائج السياسية قطاف لم يحن أوانه حسب تصور المؤلف. وكشف الكاتب القناع عن تسلق الانتهازيين للصف الإسلامي فتلاشى العمل التربوي وكان سبب انهيار الحركة الإسلامية علما بأن المؤلف لا يتفق مع وصف الوضع الإسلامي الحالي في المغرب بالخيرية بل بالعكس فهو متخلف عما كان عليه. ويرى أن العمل الإسلامي خسر مواقعه في المؤسسات التربوية مدارس وثانويات وجامعات؛ حيث غابت التربية الضامنة لتنامي التدين بين الشباب بسبب فتنة الصنم السياسي المهيمن على العمل الدعوي. ويبكي الكاتب الأخلاق الإسلامية الضائعة بسبب الاستصنام الحزبي حتى راجت المناورات السياسية بين الإخوة على طريقة السياسوين. ويتعرض الكاتب في هذا الصدد لوضعية الفتاة المسلمة المحجبة وما كانت عليه من حياء وحشمة ووقار وغض طرف بعيدا عن التغنج والتصنع ومواطن الشبهات وما آل إليه حالها من تبرج عبر حجاب يفوق السفور بألوانه وأشكاله الفاضحة وأصباغ وطلاء ودهون الوجوه الأنثوية ؛ ومخالطة للذكور بتغنج وتصنع حتى صارت أغلب المحجبات لا يطقن نطق حرف الراء مثلا من فرط التصنع في الكلام .
وعلى غرار الاستصنام الحزبي يدين الكاتب الاستصنام النقابي ؛ حيث ورثت النقابة المحسوبة على الإسلاميين تركة النقابة اليسارية القائمة على الحقد والكراهية . وللكاتب إشارة إلى حال النقابة الطلابية المعروفة بالاتحاد الوطني لطلبة المغرب التي كان يهيمن عليها المد اليساري الماركسي اللينيني قبل أن تنتقل إلى أيدي الإسلاميين لتصير طاغوتا وصنما صرف الطلاب عن التربية الإسلامية السوية . ويدين الكاتب دخول الحركة الطلابية الإسلامية معبد أوطيم ؛ حيث صار ت الحركة نتاج أم متدينة وأب ماركسي حسب تعبير المؤلف. وفي معرض الحديث عن الفصائل الطلابية يذكر الكاتب فصيل العدل والإحسان والذي يراه أكثر الفصائل تدنسا بالتراث الماركسي اللينني ؛ وهو فصيل يعاني من تضخم سياسي يطبع شخصية مؤسس الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين. ويسجل الكاتب مقابل تضخم فصيل العدل والإحسان بالنسبة لجماعته تضخم حزب العدالة والتنمية بالنسبة لحركته. ويعرض الكاتب بسلوك الفصيل الياسيني الفج حسب توصيفه المعبر عن انحطاط الأخلاق من خلال ممارسة العنف الثوري على الطلاب وإخراجهم من المدرجات وقاعات الدروس خدمة لمصلحة الجماعة التي لا علاقة لها بمصالح الطلبة بما في ذلك ركوب قضايا الأمة بانتهازية كقضية الشهيد أحمد ياسين ؛ وقضايا المظالم الإسلامية مع جهل الفصيل بالدين مع التخلف الدراسي والتحصيل العلمي والتفوق في التأصيل لصناعة الغش في الامتحانات على حد تعبير الكاتب.ويرى الكاتب أنه لم ير أقل حياء من طلاب وطالبات هذا الفصيل ؛ من خلال اختلاطهم المتهتك والذي حمله على استحضار نموذج الفتاتين المؤمنتين مع نبي الله موسى عليه السلام الذي يتجاهله فصيل العدل والإحسان بالرغم من انتسابه للتربية الروحية. ويعرج الكاتب على ما سماه بالرؤى الاستدراجية والمشاهدات الشيطانية لجماعة العدل والإحسان ويسميها التدليس والتلبيس والوهم الخسيس . ويتناول الكاتب فصيل الوحدة والتواصل الذي أصبح منظمة التجديد الطلابي والذي انزلق انزلاق فصيل العدل والإحسان ودخل متاهات المهاترات الكلامية ويستعمل الكاتب هنا مصطلح المطيعية نسبة للأستاذ عبد الكريم مطيع مؤسس حركة الشبيبة الإسلامية الذي تحول من يساري إلى إسلامي عنيف ليعبر عن انزلاق فصيل التجديد الطلابي ؛ وقدم شهادات على الانزلاقات المنسوبة إلى هذا الفصل بما في ذلك الكذب والخيانة من أجل المصلحة. ويصدر الكاتب حكمه على العمل الطلابي الإسلامي بكل فصائله بأنه خرج المتكلمين الجدليين عوض تخريج العاملين الرساليين. ويعجب لكون هذه الفصائل لا تناضل من أجل انهيار منظومة التعليم ولو مرة واحدة ؛ بل تقف مع الفساد وتعارض كل محاولات الإصلاح للرفع من المستوى العلمي المتدني على غرار تقاليد أوطيم زمن المد اليساري.
ويذهب الكاتب إلى أن الحركة الإسلامية اليوم تخضع لشخصية التكنوقراطي المثقف البعيد عن العلم المؤهل لقيادة العمل الإسلامي ؛ وذلك للخلط بين مصطلحي مثقف وعالم . وقد تخلف العلماء عن قيادة الحركة الإسلامية بسب تهافت بعض المثقفين بدون حمولة علمية على هذه القيادة مع جهل بالدين لهذا وقع ما سماه الكاتب باستصنام الشخصانية المزاجية صاحبة الرؤى والمشاهدات وهي محض تلبيسات شيطانية اقتضت من الكاتب وقفة لتوضيح رؤية الرسول عليه الصلاة والسلام يقظة ومناما من الناحية الشرعية عن الثقات من العلماء.
وقد سجل غياب الإمامة العلمية التي ولدت القيادة التكنوقراطية ؛ وهي قيادة العجب والغرور وتضخم الأنا بسبب تضخم الأنا التنظيمية حتى كان ذلك سبا في ظهور البؤر السرية لبعض الفرق الضالة كالشيعة الروافض وجماعة الأحباش ؛ وجماعات الدجل الخرافي ... إلى حد الانخراط في الجهات الأجنبية المشبوهة حتى صار سب الصحابة شائعا والتشكيك في كتب الصحاح مباحا ؛ وانتشرت رائحة العمالة والخيانة والزندقة على حد تعبير الكاتب.
وتناول الكاتب بعد ذلك أسلوب التنظيم لدى الجماعات المقتبسة من تنظيم الأحزاب مما أوقع الاستصنام التنظيمي وهو عبارة عن تزكية للجماعة مع التعالي عن الخطأ حتى صارت الأعمال الدعوية خادمة للجماعة وليس العكس ؛ وشاع تأويل الأحكام الشرعية لتساير مصالح الجماعة في شكل استنباطات باطلة.
ويتعرض بعد ذلك الكاتب لاستصنام الديمقراطية التي يعرض بشكلها الغربي المستورد الخادع الذي يسخر لاهانة الأمة الإسلامية ؛ ومع ذلك تستصنمه الحركات الإسلامية المحزبة وتركبه لتحقيق المآرب. ويعتبر الكاتب أن لعبة الديمقراطية عبارة عن خدعة خدعت بها الجماهير؛وأصبحت شرطا بديلا عن شرط الشرع حيث أوصلت هذه الديمقراطية دهاة السفهاء لقيادة الجماهير عوض الفقهاء الحكماء ؛ ويقول الكاتب ساخرا ربما أوصلت غدا الديمقراطية إمام الصلاة الأمكر عوض الأتقى والأقرأ لأنها لعبة الخداع وصناعة الأغلبية.
وينتقل الكاتب بعد ذلك إلى ما سماه استصنام العقلية المطيعية نسبة لزعيم الشبيبة الإسلامية الأستاذ عبد الكريم مطيع ؛ وهي عقلية تقوم على أسلوب المناورة والخداع في التعاطي للشأن الإسلامي على حد قوله. وهي عقلية متأثرة بالنظريات اليسارية باعتباره قياديا سابقا في حزب يساري. وقد ورثت التنظيمات المنبثقة عن حركة الشبيبة التي تفككت الصفة المطيعية في تدبير الأمور الحركية في العمل الإسلامي ؛ وهو سبب تفريخ العقارب الخضراء داخل الصف الإسلامي حسب تعبير الدكتور الأنصاري . وقد رمى الكاتب حركة التوحيد والإصلاح بداء المطيعية الذي صار تضخما سياسيا تجسد في حزب العدالة والتنمية وأفشل مشروع الوحدة الداخلية للحركة. وتطرق الكاتب للفصائل التي انخرطت في الوحدة المفككة وهي حركة الإصلاح والتجديد وحركة التبين وجماعة القصر الكبير وجماعة فاس ؛ وما سماه بموجوعات الشظايا إشارة إلى الجماعات الصغيرة المتولدة عن تفكك الشبيبة الإسلامية بما فيه جماعات الأحياء الكبرى بالمدن الكبرى كتلك التي صارت سلفية في عين السبع والحي المحمدي ودرب السلطان وسيدي مومن...وحركة الاختيار الإسلامي ذات الأصول الشبيبية والحركة من أجل الأمة المتبلورة منها. ويصف الكاتب مشروع الوحدة بالفاشل نظرا لطغيان ما سماه الأسلوب المطيعي المبني على المناورة السياسية. واستعرض الكاتب أطوار مشروع الوحدة لينتهي إلى فشل المشروع بسبب فساد بعض العاملين في الصف الإسلامي وهم من سماهم بالعقارب الخضراء الذين يتخندقون بعناية بين الكراسي ليصيروا أهل حل وعقد لأنهم تربوا على حب الزعامة والرئاسة ؛ وصار ذلك مرضهم المزمن مما جعل الكاتب يقترح إحالتهم على مصحات الأمراض النفسية. ويذكر الكاتب أثر موت الأستاذ عبد الرزاق المروري على هذه الوحدة نظرا لدوره الرائد في رابطة المستقبل الإسلامي والذي كان يمثل الاتجاه التربوي الذي انحسر لفائدة الاتجاه السياسي . ويذكر الكاتب ما آل إليه حال جريدة التجديد التي صارت ناطقة باسم حزب العدالة والتنمية لما صارت يومية وفقدت جدتها كما يرى الكاتب ؛ لأن الحركة والحزب صارا وجهين لعملة واحدة ؛ وصارت الجريدة منبرا لتلميع ذوي الطموحات الشخصية من متشربي العقلية المطيعية. وضاع المشروع التربوي الدعوي والفكري والعلمي لصالح الحزب السياسي. وهنا يتعرض الكاتب للأستاذ احمد الريسوني مشيدا بصبره على ترويض سباع العقلية المطيعية التي أكلته في نهاية المطاف ؛ وهو ما حذا بالأستاذ الريسوني لحد الآن لكتابة حلقتين في جريدة التجديد للرد على الأستاذ الأنصاري بأسلوب التعريض والاستخفاف على كتابه وما جاء فيه وستعقبه حلقات كما صرحت بذلك الجريدة مستغنية عن ردود أخرى لا ترقى إلى رد الأستاذ الريسوني. ويحكم الأستاذ الأنصاري على فشل حركة التوحيد والإصلاح في مشروعها الوحدوي وفي منتوجها الإسلامي الذي يضعه بين قوسين. ويبكي الكاتب ضمور العمل الإسلامي في الشمال بالقصر الكبير ؛ وفي الجنوب بمنطقة الراشيدية تافيلالت والتي يسميها محمية بشرية غالية المعدن ؛ وهو ما تندر به الأستاذ الريسوني في حلقته الثانية من مقالاته في جريدة التجديد.
ويخصص الكاتب الباب الثاني لما سماه استصنام المذهبية الحنبلية عند التيار السلفي ؛ فيبدأ بجرد تاريخي للحركة السلفية ولدورها الرائد في الحركة الوطنية على يد المؤسسين الكبار شعيب الدكالي ومحمد بلعربي العلوي ؛ والمجددين كتقي الدين الهلالي ؛ وفي المشروع الدعوي التربوي إبان الاستقلال قبل أن تنقلب إلى وبال يفرخ العقارب الخضراء أيضا. ويبكي الكاتب ضياع أخلاق السلفية عن طريق استصنام المشايخ والزعماء. وأسهب الكاتب في بيان فشل فهم السلفية للمجتمع المغربي المتصوف بطبيعته البسيط في تدينه والبعيد عن الجدل الكلامي؛ والذي لا يجدي معه العنف والتكفير والتعسير. ويأخذ على السلفية الاشتغال بالفروع على حساب الأصول ؛ وباستيراد القضايا والطروحات السلفية المشرقية مقابل البترودولار وترويجها في الأوساط الفقيرة واستغلالها مما جلب ما سماه الكاتب سلفية العنف أو السلفية القتالية لأنه يربأ بمصطلح الجهاد المقدس أن يبتذل عند رعاع السلفية. ويستغرب الكاتب شيوع المظاهر الشكلية السلفية كاللباس الأفغاني والنقاب الخليجي وطول اللحى الفاحش على حساب التربية الإسلامية السليمة. ويأخذ على السلفية تجاوزها المذهب المالكي الأصيل في المغرب لصالح المذهب الحنبلي المتأخر تاريخيا عن المذهب المالكي بحوالي قرن من الزمان ؛ وابتذالها للأشعرية وتجريدها من سنيتها ونسبة السنة للتخريجات الحنبلية دون سواها؛ وهجموها على التصوف السني دون تمييزه عن تصوف الشطحات . ويدين الكاتب نزوعها إلى العنف كما جاء في الصفحة الثانية والسبعين بعد المائة حيث ينقل لنا حوارا بين زعيم للسلفية و زعيم فصيل إسلامي ينتهي بقول السلفي لمحاوره : بيننا وبينكم الكلاشنكوف ردا على قول الأول بيننا وبينكم كتاب الله .
هذا عرض مقتضب لما جاء في الكتاب دون تعليق ؛ وإذا يسر الله وسمح الظرف سيكون لي تعقيب لأنني شاهد على العمل الإسلامي الطلابي في جامعة فاس في فترة السبعينات والثمانينات التي بكاها الكاتب في بداية كتابه قبل أن يقدم الأخطاء الستة والعقارب الخضراء ؛ وقد ترجاني مرارا وتكرارا أخوة أعزاء بالكتابة في الموضوع وكنت أتردد ولعل كتابة الأستاذ الأنصاري قد فتح الشهية على حد تعبير المغاربة ولن تكون كتاباتي انتصارا لأحد ولا تجريحا لحد لأنني المسلم اللامنتمي واللا متحيز وولائي لله عز وجل؛وشهادتي لله في جانب من جوانب الحركة الإسلامية الطلابية قبل ما اعتبره الأستاذ الأنصاري انحرافا. .
وكعرض لمضامين الكتاب نبدأ بالمقدمة التي يتبرأ فيها الكاتب من النية المبيتة للنيل من هذه الحركات ؛ ويصرح بأنه يريد النقد البناء لا النقض الهادم من أجل إصلاح الاعوجاج إحياء لسنة السلف في تصحيح ما اعوج وفسد ؛ خصوصا وأن الظرف جد دقيق بالنسبة للأمة الإسلامية. وقد اصطلح المؤلف على ما نسبه من انحراف لهذه الجماعات بالاستصنام ؛ وهو لغة اتخاذ الصنم ؛ والأستاذ الأنصاري معروف باستعمال المصطلح القرآني للتعبير عن الظواهر الاجتماعية صلاحا وفسادا ؛ وقد استوحى مصطلحه الاستصنام من صنم السامري وهو العجل الذي انحرف به قوم موسى عن الجادة كما انحرفت الحركات الإسلامية عن الدعوة بالسياسة.
وبينما أثنى الكاتب على الحركات الإسلامية في السبعينات و الثمانينات فانه قد تبرأ منها بعد تقليعة اتخاذ الحزب السياسي وهو انحراف خطير حسب وصفه قضى على المكاسب الدعوية.
وأما الخاتمة فهي عبارة عن تطلعات من الكاتب لتحطيم الصنمية التي وقعت فيها الحركات الإسلامية لتعود إلى الجوانب التعبدية الدعوية وهي أخلاق القرآن ؛ ويبث نداء لأبناء الحركات الإسلامية لصيانة الشريعة من خلال نصائحه المبثوثة خلال نقده للانزلاقات ؛ وهي نصائح عامة ولست طروحات بديلة لأن البدائل سبق له أن نشرها في الناس من قبل كما صرح بذلك ؛ من خلال كتبه المشاريع المنشورة.
والكتاب بعد ذلك يتضمن النقد القاسي للحركات الإسلامية الذي نحاول عرض بعضه دون تعقيب كما يفعل البعض على صفحات بعض الجرائد.
يعتبر المؤلف أن اتخاذ حزب سياسي هو أكبر خطأ وقعت فيه الحركة الإسلامية في المغرب. وهو يذكر بهدف العمل الإسلامي المتمثل في تجديد الدين بعد ضعفه في النفوس ؛ في حين كانت فكرة تكوين الحزب بمثابة فتنة كفتنة السامري حيث أصبح الحزب بمثابة صنم يقدس وتنصرف إليه الهمم عوض تجديد الدين وخدمته . ويرى الكاتب أنه كان بإمكان الحركة الإسلامية أن تحصل أفضل النتائج السياسية لو أنها اشتغلت بالدعوة ولم تشتغل بالسياسة؛ لهذا حكم على التجربة السياسية الإسلامية بالفشل بالمقاييس الشرعية والسياسية أيضا ؛ لأن النتائج السياسية قطاف لم يحن أوانه حسب تصور المؤلف. وكشف الكاتب القناع عن تسلق الانتهازيين للصف الإسلامي فتلاشى العمل التربوي وكان سبب انهيار الحركة الإسلامية علما بأن المؤلف لا يتفق مع وصف الوضع الإسلامي الحالي في المغرب بالخيرية بل بالعكس فهو متخلف عما كان عليه. ويرى أن العمل الإسلامي خسر مواقعه في المؤسسات التربوية مدارس وثانويات وجامعات؛ حيث غابت التربية الضامنة لتنامي التدين بين الشباب بسبب فتنة الصنم السياسي المهيمن على العمل الدعوي. ويبكي الكاتب الأخلاق الإسلامية الضائعة بسبب الاستصنام الحزبي حتى راجت المناورات السياسية بين الإخوة على طريقة السياسوين. ويتعرض الكاتب في هذا الصدد لوضعية الفتاة المسلمة المحجبة وما كانت عليه من حياء وحشمة ووقار وغض طرف بعيدا عن التغنج والتصنع ومواطن الشبهات وما آل إليه حالها من تبرج عبر حجاب يفوق السفور بألوانه وأشكاله الفاضحة وأصباغ وطلاء ودهون الوجوه الأنثوية ؛ ومخالطة للذكور بتغنج وتصنع حتى صارت أغلب المحجبات لا يطقن نطق حرف الراء مثلا من فرط التصنع في الكلام .
وعلى غرار الاستصنام الحزبي يدين الكاتب الاستصنام النقابي ؛ حيث ورثت النقابة المحسوبة على الإسلاميين تركة النقابة اليسارية القائمة على الحقد والكراهية . وللكاتب إشارة إلى حال النقابة الطلابية المعروفة بالاتحاد الوطني لطلبة المغرب التي كان يهيمن عليها المد اليساري الماركسي اللينيني قبل أن تنتقل إلى أيدي الإسلاميين لتصير طاغوتا وصنما صرف الطلاب عن التربية الإسلامية السوية . ويدين الكاتب دخول الحركة الطلابية الإسلامية معبد أوطيم ؛ حيث صار ت الحركة نتاج أم متدينة وأب ماركسي حسب تعبير المؤلف. وفي معرض الحديث عن الفصائل الطلابية يذكر الكاتب فصيل العدل والإحسان والذي يراه أكثر الفصائل تدنسا بالتراث الماركسي اللينني ؛ وهو فصيل يعاني من تضخم سياسي يطبع شخصية مؤسس الجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين. ويسجل الكاتب مقابل تضخم فصيل العدل والإحسان بالنسبة لجماعته تضخم حزب العدالة والتنمية بالنسبة لحركته. ويعرض الكاتب بسلوك الفصيل الياسيني الفج حسب توصيفه المعبر عن انحطاط الأخلاق من خلال ممارسة العنف الثوري على الطلاب وإخراجهم من المدرجات وقاعات الدروس خدمة لمصلحة الجماعة التي لا علاقة لها بمصالح الطلبة بما في ذلك ركوب قضايا الأمة بانتهازية كقضية الشهيد أحمد ياسين ؛ وقضايا المظالم الإسلامية مع جهل الفصيل بالدين مع التخلف الدراسي والتحصيل العلمي والتفوق في التأصيل لصناعة الغش في الامتحانات على حد تعبير الكاتب.ويرى الكاتب أنه لم ير أقل حياء من طلاب وطالبات هذا الفصيل ؛ من خلال اختلاطهم المتهتك والذي حمله على استحضار نموذج الفتاتين المؤمنتين مع نبي الله موسى عليه السلام الذي يتجاهله فصيل العدل والإحسان بالرغم من انتسابه للتربية الروحية. ويعرج الكاتب على ما سماه بالرؤى الاستدراجية والمشاهدات الشيطانية لجماعة العدل والإحسان ويسميها التدليس والتلبيس والوهم الخسيس . ويتناول الكاتب فصيل الوحدة والتواصل الذي أصبح منظمة التجديد الطلابي والذي انزلق انزلاق فصيل العدل والإحسان ودخل متاهات المهاترات الكلامية ويستعمل الكاتب هنا مصطلح المطيعية نسبة للأستاذ عبد الكريم مطيع مؤسس حركة الشبيبة الإسلامية الذي تحول من يساري إلى إسلامي عنيف ليعبر عن انزلاق فصيل التجديد الطلابي ؛ وقدم شهادات على الانزلاقات المنسوبة إلى هذا الفصل بما في ذلك الكذب والخيانة من أجل المصلحة. ويصدر الكاتب حكمه على العمل الطلابي الإسلامي بكل فصائله بأنه خرج المتكلمين الجدليين عوض تخريج العاملين الرساليين. ويعجب لكون هذه الفصائل لا تناضل من أجل انهيار منظومة التعليم ولو مرة واحدة ؛ بل تقف مع الفساد وتعارض كل محاولات الإصلاح للرفع من المستوى العلمي المتدني على غرار تقاليد أوطيم زمن المد اليساري.
ويذهب الكاتب إلى أن الحركة الإسلامية اليوم تخضع لشخصية التكنوقراطي المثقف البعيد عن العلم المؤهل لقيادة العمل الإسلامي ؛ وذلك للخلط بين مصطلحي مثقف وعالم . وقد تخلف العلماء عن قيادة الحركة الإسلامية بسب تهافت بعض المثقفين بدون حمولة علمية على هذه القيادة مع جهل بالدين لهذا وقع ما سماه الكاتب باستصنام الشخصانية المزاجية صاحبة الرؤى والمشاهدات وهي محض تلبيسات شيطانية اقتضت من الكاتب وقفة لتوضيح رؤية الرسول عليه الصلاة والسلام يقظة ومناما من الناحية الشرعية عن الثقات من العلماء.
وقد سجل غياب الإمامة العلمية التي ولدت القيادة التكنوقراطية ؛ وهي قيادة العجب والغرور وتضخم الأنا بسبب تضخم الأنا التنظيمية حتى كان ذلك سبا في ظهور البؤر السرية لبعض الفرق الضالة كالشيعة الروافض وجماعة الأحباش ؛ وجماعات الدجل الخرافي ... إلى حد الانخراط في الجهات الأجنبية المشبوهة حتى صار سب الصحابة شائعا والتشكيك في كتب الصحاح مباحا ؛ وانتشرت رائحة العمالة والخيانة والزندقة على حد تعبير الكاتب.
وتناول الكاتب بعد ذلك أسلوب التنظيم لدى الجماعات المقتبسة من تنظيم الأحزاب مما أوقع الاستصنام التنظيمي وهو عبارة عن تزكية للجماعة مع التعالي عن الخطأ حتى صارت الأعمال الدعوية خادمة للجماعة وليس العكس ؛ وشاع تأويل الأحكام الشرعية لتساير مصالح الجماعة في شكل استنباطات باطلة.
ويتعرض بعد ذلك الكاتب لاستصنام الديمقراطية التي يعرض بشكلها الغربي المستورد الخادع الذي يسخر لاهانة الأمة الإسلامية ؛ ومع ذلك تستصنمه الحركات الإسلامية المحزبة وتركبه لتحقيق المآرب. ويعتبر الكاتب أن لعبة الديمقراطية عبارة عن خدعة خدعت بها الجماهير؛وأصبحت شرطا بديلا عن شرط الشرع حيث أوصلت هذه الديمقراطية دهاة السفهاء لقيادة الجماهير عوض الفقهاء الحكماء ؛ ويقول الكاتب ساخرا ربما أوصلت غدا الديمقراطية إمام الصلاة الأمكر عوض الأتقى والأقرأ لأنها لعبة الخداع وصناعة الأغلبية.
وينتقل الكاتب بعد ذلك إلى ما سماه استصنام العقلية المطيعية نسبة لزعيم الشبيبة الإسلامية الأستاذ عبد الكريم مطيع ؛ وهي عقلية تقوم على أسلوب المناورة والخداع في التعاطي للشأن الإسلامي على حد قوله. وهي عقلية متأثرة بالنظريات اليسارية باعتباره قياديا سابقا في حزب يساري. وقد ورثت التنظيمات المنبثقة عن حركة الشبيبة التي تفككت الصفة المطيعية في تدبير الأمور الحركية في العمل الإسلامي ؛ وهو سبب تفريخ العقارب الخضراء داخل الصف الإسلامي حسب تعبير الدكتور الأنصاري . وقد رمى الكاتب حركة التوحيد والإصلاح بداء المطيعية الذي صار تضخما سياسيا تجسد في حزب العدالة والتنمية وأفشل مشروع الوحدة الداخلية للحركة. وتطرق الكاتب للفصائل التي انخرطت في الوحدة المفككة وهي حركة الإصلاح والتجديد وحركة التبين وجماعة القصر الكبير وجماعة فاس ؛ وما سماه بموجوعات الشظايا إشارة إلى الجماعات الصغيرة المتولدة عن تفكك الشبيبة الإسلامية بما فيه جماعات الأحياء الكبرى بالمدن الكبرى كتلك التي صارت سلفية في عين السبع والحي المحمدي ودرب السلطان وسيدي مومن...وحركة الاختيار الإسلامي ذات الأصول الشبيبية والحركة من أجل الأمة المتبلورة منها. ويصف الكاتب مشروع الوحدة بالفاشل نظرا لطغيان ما سماه الأسلوب المطيعي المبني على المناورة السياسية. واستعرض الكاتب أطوار مشروع الوحدة لينتهي إلى فشل المشروع بسبب فساد بعض العاملين في الصف الإسلامي وهم من سماهم بالعقارب الخضراء الذين يتخندقون بعناية بين الكراسي ليصيروا أهل حل وعقد لأنهم تربوا على حب الزعامة والرئاسة ؛ وصار ذلك مرضهم المزمن مما جعل الكاتب يقترح إحالتهم على مصحات الأمراض النفسية. ويذكر الكاتب أثر موت الأستاذ عبد الرزاق المروري على هذه الوحدة نظرا لدوره الرائد في رابطة المستقبل الإسلامي والذي كان يمثل الاتجاه التربوي الذي انحسر لفائدة الاتجاه السياسي . ويذكر الكاتب ما آل إليه حال جريدة التجديد التي صارت ناطقة باسم حزب العدالة والتنمية لما صارت يومية وفقدت جدتها كما يرى الكاتب ؛ لأن الحركة والحزب صارا وجهين لعملة واحدة ؛ وصارت الجريدة منبرا لتلميع ذوي الطموحات الشخصية من متشربي العقلية المطيعية. وضاع المشروع التربوي الدعوي والفكري والعلمي لصالح الحزب السياسي. وهنا يتعرض الكاتب للأستاذ احمد الريسوني مشيدا بصبره على ترويض سباع العقلية المطيعية التي أكلته في نهاية المطاف ؛ وهو ما حذا بالأستاذ الريسوني لحد الآن لكتابة حلقتين في جريدة التجديد للرد على الأستاذ الأنصاري بأسلوب التعريض والاستخفاف على كتابه وما جاء فيه وستعقبه حلقات كما صرحت بذلك الجريدة مستغنية عن ردود أخرى لا ترقى إلى رد الأستاذ الريسوني. ويحكم الأستاذ الأنصاري على فشل حركة التوحيد والإصلاح في مشروعها الوحدوي وفي منتوجها الإسلامي الذي يضعه بين قوسين. ويبكي الكاتب ضمور العمل الإسلامي في الشمال بالقصر الكبير ؛ وفي الجنوب بمنطقة الراشيدية تافيلالت والتي يسميها محمية بشرية غالية المعدن ؛ وهو ما تندر به الأستاذ الريسوني في حلقته الثانية من مقالاته في جريدة التجديد.
ويخصص الكاتب الباب الثاني لما سماه استصنام المذهبية الحنبلية عند التيار السلفي ؛ فيبدأ بجرد تاريخي للحركة السلفية ولدورها الرائد في الحركة الوطنية على يد المؤسسين الكبار شعيب الدكالي ومحمد بلعربي العلوي ؛ والمجددين كتقي الدين الهلالي ؛ وفي المشروع الدعوي التربوي إبان الاستقلال قبل أن تنقلب إلى وبال يفرخ العقارب الخضراء أيضا. ويبكي الكاتب ضياع أخلاق السلفية عن طريق استصنام المشايخ والزعماء. وأسهب الكاتب في بيان فشل فهم السلفية للمجتمع المغربي المتصوف بطبيعته البسيط في تدينه والبعيد عن الجدل الكلامي؛ والذي لا يجدي معه العنف والتكفير والتعسير. ويأخذ على السلفية الاشتغال بالفروع على حساب الأصول ؛ وباستيراد القضايا والطروحات السلفية المشرقية مقابل البترودولار وترويجها في الأوساط الفقيرة واستغلالها مما جلب ما سماه الكاتب سلفية العنف أو السلفية القتالية لأنه يربأ بمصطلح الجهاد المقدس أن يبتذل عند رعاع السلفية. ويستغرب الكاتب شيوع المظاهر الشكلية السلفية كاللباس الأفغاني والنقاب الخليجي وطول اللحى الفاحش على حساب التربية الإسلامية السليمة. ويأخذ على السلفية تجاوزها المذهب المالكي الأصيل في المغرب لصالح المذهب الحنبلي المتأخر تاريخيا عن المذهب المالكي بحوالي قرن من الزمان ؛ وابتذالها للأشعرية وتجريدها من سنيتها ونسبة السنة للتخريجات الحنبلية دون سواها؛ وهجموها على التصوف السني دون تمييزه عن تصوف الشطحات . ويدين الكاتب نزوعها إلى العنف كما جاء في الصفحة الثانية والسبعين بعد المائة حيث ينقل لنا حوارا بين زعيم للسلفية و زعيم فصيل إسلامي ينتهي بقول السلفي لمحاوره : بيننا وبينكم الكلاشنكوف ردا على قول الأول بيننا وبينكم كتاب الله .
هذا عرض مقتضب لما جاء في الكتاب دون تعليق ؛ وإذا يسر الله وسمح الظرف سيكون لي تعقيب لأنني شاهد على العمل الإسلامي الطلابي في جامعة فاس في فترة السبعينات والثمانينات التي بكاها الكاتب في بداية كتابه قبل أن يقدم الأخطاء الستة والعقارب الخضراء ؛ وقد ترجاني مرارا وتكرارا أخوة أعزاء بالكتابة في الموضوع وكنت أتردد ولعل كتابة الأستاذ الأنصاري قد فتح الشهية على حد تعبير المغاربة ولن تكون كتاباتي انتصارا لأحد ولا تجريحا لحد لأنني المسلم اللامنتمي واللا متحيز وولائي لله عز وجل؛وشهادتي لله في جانب من جوانب الحركة الإسلامية الطلابية قبل ما اعتبره الأستاذ الأنصاري انحرافا. .