المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فن المعارضات في الأدب


عائشة اقليعة
10-27-2008, 09:42 PM
تقوم المعارضة على أساس من المنافسة والسباق بين الشعراء على ميادين الإجادة والتفوق في عالم اللفظ والصور الشعرية, وآفاق الخيال, وطرق الإبداع والافتننان, في تجسيد المشاعر والإحساسات في قوالب ساحرة من اللفظ المهذب والتركيب المرتب والأساليب المنمقة والمعاني المزوقة.
لترى فيها عالماً مثالياً من الأحلام والأماني, يضع في يديك مفاتيح الأمل المشرئب البسام, ويفرش لك طريقه بالورود والرياحين ولا سيما إذا كان الغرض مما ترتاح له النفس وتطمئن إليه لأنه يَجُس أوتار مشاعرها, ويتحسس مواطن آمالها وآلامها أو يضرب على أوتار قدسيتها وعوالمها الروحية.
وأعني بالأول كافة الأغراض من غزل ومدح ووطنية ونحوها, كالرثاء والهجاء والوصف وكافة الأغراض.
أما الثاني فأعني به أسمى مجال, وأنبل غرض, وأشرف ميدان نظمت فيه الخرائد, ونضدت قلائد القصائد لتنشر أضواءها في عالم البيان, وتنثر أشعتها على كل لسان, ذلكم هو ميدان مدح رجل الإنسانية وصفوة البشرية وخاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
فقد تسابق في ميدانه فرسان البلاغة والبيان, حتى أنك لو جمعت ما نظم فيه وحده, لكونت من ذلك أسفاراً, لها من الغرض أشرفه, ومن الموضوع أمجده, ولها من اللفظ أبلغه, ومن الأسلوب أعذبه, ومن الصور أكثرها إشراقاً, ومن العواطف والمشاعر والأحاسيس أعمقها إيماناً وأخلصها اتباعاً واقتداءً.

قلنا:إن المعارضة نوع من السباق تتبارى فيه الملكات وتتسابق القرائح, تتنوع فيه وسائل التعبير, وتتعدد فيه صور البيان, وتفترق أخرى, فيفترع بعضها بعضاً, فيعود ذلك كله على اللغة والأدب بأوفر ثورة وأكبر حصيلة

خذ مثلاً مطلعي ميميتي البوصيري وشوقي, وسترى ما بينها من اختلاف في الأسلوب والصورة والمعنى, إلى ما بين ألفاظهما من تباين وتمايز, يقول البوصيري:

أمن ذكر جيران بذي سلم

............................... مزجت دمعاً من مقلة بدم


ويقول شوقي:
ريم على القاع بين البان والعلم

................................. أحل سفك دمي في الأشهر الحرم


ثم ما يكون من توليد للمعاني والأخيلة, وتشقيق لها وتقليب لوجوه الصور البيانية, وربط بعضها ببعض, فلا تملك إلا الانسياق وراءه معجباً بفنه معترفاً بمقدرته شاهداً لقريحته وملكته بالتفوق والسبق والامتياز.

وهذه شواهد وقد خصصت الشاعر الكبير – رحمه الله – أحمد شوقي بأكثرها لأنه أكثر من قام بهذا في العصر الحديث:

معارضة شوقي للحصري:
ومن معارضات شوقي معرضاته للحصري في داليته التي سبقت الإشارة إليها والتي مطلعها:
يا ليل الصب متى غده
........................... أقيام الساعة موعده


عارضها شوقي فقال من قصيدة طويلة:
مضناك جفاه مرقده
........................ وبكاه ورحم عوده


حيران القلب معذبه
......................... مقروح الجفن مسهده



وعارض شوقي نونية أبي البقاء الرندي التي يقول في مطلعها:

لِكُلِّ شيءٍ إذا ما تم نقصان
.............................. فلا يغر بطيب العيش إنسان


هي الأمور كما شاهدتها دول
............................ .من سره زمن ساءته أزمان


إذ نسج نحو منها شوقي في قصيدته [دمشق] التي يقول في مطلعها:
قم ناج جلق وانشد رسم من بانوا
................................ مشت على الرسم أحداث وأزمان


هذا الأديم كتاب لا كفاء له
.............................. رث الصحائف باق منه عنوان


الدين والوحي والأخلاق طائفة
............................ منه وسائره دنيا وبهتان




وأخيراً .. لنقرأ معارضة شوقي لابن زيدون:
فلابن زيدون نونية كلنا نعرفها.... مطلعها:

أضحى التنائي بديلاً من تدانينا
.................................وناب عن طيب لقيانا تجافينا

بنتم وبنا فما ابتلت جوانحنا
............................... شوقاً إليكم ولا جفت مآقينا

وهي قصيدة مليئة بالشجن والحنين والبكاء والأنين والعتب والوجد والشكوى والألم والذكريات, ثم هي صور من الجمال, ولوحات من الخيال, ما من بيت فيها إلا وتقول هو أجمل من أخيه, فأنت فيها من جميل إلى جميل:
خذ مثلاً قوله في ولادة:
يا روضة طالما أجنت لواحظنا
................................ ورداً جلاه الصبا غضّاً ونسرينا

ولو تحسست ما يشعر به من شجي وشجن, وأسى وحزن وتصرم لحبال المودة, ويأس القانط من العودة, وهو يقول هذين البيتين:
يا ساري البرق غادِ القصر واسق به
............................... من كان صرف الهوى والود يسقينا

ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا
............................. من لو على البعد حياً كان يحيينا

لعرفت مدى ما كان يشعر به, ويعيشه من مرارة, حين صرمت ولّادة حبال وده على حين بقي هو على العهد حافظ الود.

وقد حاكى شوقي هذه القصيدة, أيام كان في المنقى وافتتحها بمناجاة طائر مهيض النجاح, قص ريشه, فقيد في مكانه لا يبرحه ولا يزول عنه.
لكن ما هذا الطائر الذي خصه شوقي بالخطاب والمناجاة فهما يتشاكيان الآلام والأحزان؟( )
إنه الملك الشاعر المعتمد بن عبد الذي سجنه ابن تاشفين أول الأمر في قصر بوادي الطلح بالأندلس, وترك له في بستان القصر جميلة وجارية وخادماً, وكانت تلك أمنية جرت على لسان ابن عباد في بعض أشعاره, فدعى ابن تاشفين أنه بذلك يحقق له أمنيته.
هذا هو الطائر الذي ناجاه شوقي بقصيدته النونية التي عارض بها ابن زيدون, ومطلع قصيدة شوقي:
يا نائح الطلح أشباه عوادينا
............................ تشجى لواديك أو نأسى لوادينا

ولقد سيطر الخيال على شوقي فظن أنه يخاطب طائراً حقيقاً فراح في مناجاته له يقول:
ماذا تقص علينا غير أن يداً
.................................. قصت جناحك جالت في حواشينا


رمي بنا البين أيكاً غير سامرنا
.................................أخا العريب وظلا غير نادينا

ومن الجائز أن يكون شوقي خاطب الطير ولم يخطر له ابن عباد على بال, ولكني على أي حال أميل للأول, ولا أمنع الثاني.
ودمتم ...




الأستاذ سالم
مجلة درب الياسمين

موسى ابراهيم
10-28-2008, 01:21 AM
موضوع رائع ..

نعم هذهِ المعارضات التي تثري الفكر وتغذّي الموهبة الأدبيّة..

شكراً لكِ أستاذتنا الرائعة عائشة ..


تحايا

عائشة اقليعة
10-28-2008, 01:32 AM
موسى
فعلا استفاد الشعر العربي كثيرا من هذه المعارضات في تخليص الشعر العربي مما لحق به من شوائب ناتجة عن عصر الضعف وسار بخطوات واسعة نحو التألق والابداع

تحاياي

عائشة